فهرس الكتاب

الصفحة 3125 من 8321

أما الدلائل السمعية فكثيرة: أولها: قوله تعالى: { قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ } [ الإخلاص: 1 ] فوصفه بكونه أحدًا والأحد مبالغة في كونه واحدًا . والذي يمتلىء منه العرش ويفضل عن العرش يكون مركبًا من أجزاء كثيرة جدًا فوق أجزاء العرش ، وذلك ينافي كونه أحدًا ورأيت جماعة من الكرامية عند هذا الإلزام يقولون إنه تعالى ذات واحدة ، ومع كونها واحدة حصلت في كل هذه الأحياز دفعة واحدة . قالوا: فلأجل أنه حصل دفعة واحدة في جميع الأحياز امتلأ العرش منه . فقلت حاصل هذا الكلام يرجع إلى أنه يجوز حصول الذات الشاغلة للحيز والجهة في أحياز كثيرة دفعة واحدة والعقلاء اتفقوا على أن العلم بفساد ذلك من أجل العلوم لضرورية ، وأيضًا فإن جوزتم ذلك فلم لا تجوزون أن يقال: إن جميع العالم من العرش إلى ما تحت الثرى جوهر واحد وموجود واحد إلا أن ذلك الجزء الذي لا يتجزأ حصل في جملة هذه الأحياز ، فيظن أنها أشياء كثيرة ، ومعلوم أن من جوزه ، فقد التزم منكرًا من القول عظيمًا .

فإن قالوا: إنما عرفنا ههنا حصول التغاير بين هذه الذوات لأن بعضها يفنى مع بقاء الباقي وذلك يوجب التغاير ، وأيضًا فنرى بعضها متحركًا ، وبعضها ساكنًا والمتحرك غير الساكن ، فوجب القول بالتغاير ، وهذه المعاني غير حاصلة في ذات الله ، فظهر الفرق ، فنقول: أما قولك بأنا نشاهد أن هذا الجزء يبقى مع أنه يفنى ذلك الجزء الآخر ، وذلك يوجب التغاير . فنقول: لا نسلم أنه فني شيء من الأجزاء بل نقول لم لا يجوز أن يقال أن جميع أجزاء العالم جزء واحد فقط؟ ثم إنه حصل ههنا وهناك ، وأيضًا حصل موصوفًا بالسواد والبياض وجميع الألوان والطعوم ، فالذي يفنى إنما هو حصوله هناك ، فأما أن يقال إنه فني في نفسه ، فهذا غير مسلم ، وأما قوله: نرى بعض الأجسام متحركًا وبعضها ساكنًا ، وذلك يوجب التغاير ، لأن الحركة والسكون لا يجتمعان . فنقول: إذا حكمنا بأن الحركة والسكون لا يجتمعان لاعتقادنا أن الجسم الواحد لا يحصل دفعة واحدة في حيزين ، فإذا رأينا أن الساكن بقي هنا ، وأن المتحرك ليس هنا قضينا أن المتحرك غير الساكن . وأما بتقدير أن يجوز كون الذات الواحدة حاصلة في حيزين دفعة واحدة ، يمتنع كون الذات الواحدة متحركة ساكنة معًا ، لأن أقصى ما في الباب أن بسبب السكون بقي هنا ، وبسبب الحركة حصل في الحيز الآخر ، إلا أنا لما جوزنا أن تحصل الذات الواحدة دفعة واحدة في حيزين معًا لم يبعد أن تكون الذات الساكنة هي عين الذات المتحركة ، فثبت أنه لو جاز أن يقال إنه تعالى في ذاته واحد لا يقبل القسمة ، ثم مع ذلك يمتلىء العرش منه ، لم يبعد أيضًا أن يقال: العرش في نفسه جوهر فرد وجزء لا يتجزأ ، ومع ذلك فقد حصل في كل تلك الأحياز ، وحصل منه كل العرش ومعلوم أن تجويزه يفضي إلى فتح باب الجهالات . وثانيها: أنه تعالى قال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت