فهرس الكتاب

الصفحة 3130 من 8321

والوجه الثاني: في الجواب أن يقال: استوى بمعنى استولى ، وهذا الوجه قد أطلنا في شرحه في سورة طه فلا نعيده هنا .

والوجه الثالث: أن نفسر العرش بالملك ونفسر استوى بمعنى: علا واستعلى على الملك فيكون المعنى: أنه تعالى استعلى على الملك بمعنى أن قدرته نفذت في ترتيب الملك والملكوت ، واعلم أنه تعالى ذكر قوله: { استوى عَلَى العرش } في سور سبع . إحداها: ههنا . وثانيها: في يونس . وثالثها: في الرعد . ورابعها: في طه . وخامسها: في الفرقان . وسادسها: في السجدة . وسابعها: في الحديد ، وقد ذكرنا في كل موضع فوائد كثيرة ، فمن ضم تلك الفوائد بعضها إلى بعض كثرت وبلغت مبلغًا كثيرًا وافيًا بإزالة شبه التشبيه عن القلب والخاطر .

أما قوله: { يغشي الليل النهار يطلبه حثيثًا } ففيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم في رواية حفص { يُغْشِى } بتخفيف الغين وفي الرعد هكذا ، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم برواية أبي بكر بالتشديد ، وفي الرعد هكذا . قال الواحدي C: الإغشاء والتغشية إلباس الشيء بالشيء ، وقد جاء التنزيل بالتشديد والتخفيف ، فمن التشديد قوله تعالى: { فغشاها مَا غشى } [ النجم: 54 ] ومن اللغة الثانية قوله: { فأغشيناهم فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ } [ يس: 9 ] والمفعول الثاني محذوف على معنى فأغشيناهم العمى وفقد الرؤية .

المسألة الثانية: قوله: { يغشي الليل النهار يطلبه حثيثًا } يحتمل أن يكون المراد يلحق الليل بالنهار ، وأن يكون المراد النهار بالليل ، واللفظ يحتملهما معًا وليس فيه تغيير ، والدليل على الثاني قراءة حميد بن قيس { يغشي الليل النهار يطلبه حثيثًا } بفتح الياء ونصب الليل ورفع النهار أي يدرك النهار الليل ويطلبه قال القفال C: أنه سبحانه لما أخبر عباده باستوائه على العرش عن استمرار أصعب المخلوقات على وفق مشيئته ، أراهم ذلك عيانًا فيما يشاهدونه منها ليضم العيان إلى الخبر ، وتزول الشبه عن كل الجهات ، فقال: { يغشي الليل النهار } لأنه تعالى أخبر في هذا الكتاب الكريم بما في تعاقب الليل والنهار من المنافع العظيمة ، والفوائد الجليلة ، فإن بتعاقبهما يتم أمر الحياة ، وتكمل المنفعة والمصلحة .

المسألة الثالثة: قوله: { يَطْلُبُهُ حَثِيثًا } قال الليث: الحث: الإعجال ، يقال: حثثت فلانًا فأحتث ، فهو حثيث ومحثوث ، أي مجد سريع .

واعلم أنه سبحانه وصف هذه الحركة بالسرعة والشدة ، وذلك هو الحق ، لأن تعاقب الليل والنهار إنما يحصل بحركة الفلك الأعظم ، وتلك الحركة أشد الحركات سرعة ، وأكملها شدة ، حتى أن الباحثين عن أحوال الموجودات . قالوا: الإنسان إذا كان في العدو الشديد الكامل ، فإلى أن يرفع رجله ويضعها يتحرك الفلك الأعظم ثلاثة آلاف ميل ، وإذا كان الأمر كذلك كانت تلك الحركة في غاية الشدة والسرعة ، فلهذا السبب قال تعالى: { يَطْلُبُهُ حَثِيثًا } ونظير هذه الآية قوله سبحانه: { لاَ الشمس يَنبَغِى لَهَا أَن تدْرِكَ القمر وَلاَ اليل سَابِقُ النهار وَكُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ }

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت