فهرس الكتاب

الصفحة 3138 من 8321

المسألة السابعة: ظاهر الآية يقتضي أنه كما لا خلق إلا لله ، فكذلك لا أمر إلا لله ، وهذا يتأكد بقوله تعالى: { إِنِ الحكم إِلاَّ للَّهِ } [ الأنعام: 57 ] وقوله: { فالحكم للَّهِ العلى الكبير } [ غافر: 12 ] وقوله: { لِلَّهِ الأمر مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ } [ الروم: 4 ] إلا أنه مشكل بالآية والخبر . أما الآية فقوله تعالى: { فَلْيَحْذَرِ الذين يخالفون عَنْ أَمْرِهِ } [ النور: 63 ] وأما الخبر فقوله عليه السلام: « إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم »

والجواب: أن أمر رسول الله A يدل على أن أمر الله قد حصل ، فيكون الموجب في الحقيقة هو أمر الله لا أمر غيره ، والله أعلم .

المسألة الثامنة: قوله: { أَلاَ لَهُ الخلق والامر } يدل على أن لله أمرًا ونهيًا على عباده ، وأن له تكليفًا على عباده ، والخلاف مع نفاة التكليف . واحتجوا عليه بوجوه: أولها: أن المكلف به إن كان معلوم الوقوع كان واجب الوقوع . فكان الأمر به أمرًا بتحصيل الحاصل وأنه محال ، وإن كان معلوم اللاوقوع كان ممتنع الوقوع ، فكان الأمر به أمرًا بما يمتنع وقوعه وهو محال ، وثانيها: أنه تعالى إن خلق الداعي إلى فعله ، كان واجب الوقوع ، فلا فائدة في الأمر ، وإن لم يخلق الداعي إليه كان ممتنع الوقوع ، فلا فائدة في الأمر به . وثالثها: أن أمر الكافر والفاسق لا يفيد إلا الضرر المحض ، لأنه لما علم الله أنه لا يؤمن ولا يطيع ، امتنع أن يصدر عنه الإيمان والطاعة ، إلا إذا صار علم الله جهلًا ، والعبد لا قدرة له على تجهيل الله ، وإذا تعذر اللازم تعذر الملزوم فوجب أن يقال: لا قدرة للكافر والفاسق على الإيمان والطاعة أصلًا ، وإذا كان كذلك لم يحصل من الأمر به إلا مجرد استحقاق العقاب ، فيكون هذا الأمر والتكليف إضرارًا محضًا من غير فائدة ألبتة ، وهو لا يليق بالرحيم الحكيم ، ورابعها: أن الأمر والتكليف إن لم يكن لفائدة فهو عبث ، وإن كان لفائدة عائدة إلى المعبود فهو محتاج وليس بإله ، وإن كان لفائدة عائدة إلى العابد . فجميع الفوائد منحصرة في تحصيل النفع ، ودفع الضرر ، والله تعالى قادر على تحصيلها بالتمام والكمال من غير واسطة التكليف ، فكان توسيط التكليف إضرارًا محضًا من غير فائدة ، وأنه لا يجوز .

واعلم أنه تعالى بين في هذه الآية أنه يحسن منه أن يأمر عباده ، وأن يكلفهم بما شاء واحتج عليه بقوله: { أَلاَ لَهُ الخلق والامر } يعني لما كان الخلق منه ثبت أنه هو الخالق لكل العبيد ، وإذا كان خالقًا لهم كان مالكًا لهم ، وإذا كان مالكًا لهم حسن منه أن يأمرهم وينهاهم ، لأن ذلك تصرف من المالك في ملك نفسه ، وذلك مستحسن ، فقوله سبحانه: { أَلاَ لَهُ الخلق والامر } يجري مجرى الدليل القاطع على أنه يحسن من الله تعالى أن يأمر عباده بما شاء كيف شاء .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت