فهرس الكتاب

الصفحة 3139 من 8321

المسألة التاسعة: دلت الآية على أنه يحسن من الله تعالى أن يأمر عباده بما شاء بمجرد كونه خالقًا لهم لا كما يقوله المعتزلة من كون ذلك الفعل صلاحًا ، ولا كما يقولونه أيضًا من حيث العوض والثواب ، لأنه تعالى ذكر أن الخلق له أولًا ، ثم ذكر الأمر بعده ، وذلك يدل على أن حسن الأمر معلل بكونه خالقًا لهم موجدًا لهم ، وإذا كانت العلة في حسن الأمر والتكليف ، هذا القدر سقط اعتبار الحسن ، والقبح ، والثواب ، والعقاب في اعتبار حسن الأمر والتكليف .

المسألة العاشرة: دلت هذه الآية على أنه تعالى متكلم آمر ناه مخبر مستخبر ، وكان من حق هذه المسألة تقدمها على سائر المسائل ، إلا أنها إنما خطرت بالبال في هذا الوقت ، والدليل عليه قوله تعالى: { أَلاَ لَهُ الخلق والامر } فدل ذلك على أن له الأمر ، وإذا ثبت هذا وجب أن يكون له النهي ، والخبر ، والاستخبار ، ضرورة أنه لا قائل بالفرق .

المسألة الحادية عشرة: أنه تعالى بين كونه تعالى خالقًا للسموات ، والأرض ، والشمس ، والقمر ، والنجوم .

ثم قال: { أَلاَ لَهُ الخلق والامر } أي لا خالق إلا هو .

ولقائل أن يقول: لا يلزم من كونه تعالى خالقًا لهذه الأشياء أن يقال: لا خالق على الإطلاق إلا هو ، فلم رتب على إثبات كونه خالق لتلك الأشياء إثبات أنه لا خالق إلا هو على الإطلاق؟ فنقول: الحق أنه متى ثبت كونه تعالى خالقًا لبعض الأشياء ، وجب كونه خالقًا لكل الممكنات ، وتقريره: أن افتقار المخلوق إلى الخالق لإمكانه ، والإمكان واحد في كل الممكنات ، وهذا الإمكان إما أن يكون علة للحاجة إلى مؤثر متعين ، أو إلى مؤثر غير متعين والثاني باطل ، لأن كل ما كان موجودًا في الخارج فهو متعين في نفسه ، فيلزم منه أن ما لا يكون متعينًا في نفسه لم يكن موجودًا في الخارج وما لا وجود له في الخارج امتنع أن يكون علة لوجود غيره في الخارج ، فثبت أن الإمكان علة للحاجة إلى موجد ومعين ، فوجب أن يكون جميع الممكنات محتاجًا إلى ذلك المعين . فثبت أن الذي يكون مؤثرًا في وجود شيء واحد ، هو المؤثر في وجود كل الممكنات .

أما قوله تعالى: { تَبَارَكَ الله رَبُّ العالمين } فاعلم أنه سبحانه لما بين كونه خالقًا للسموات ، والأرض ، والعرش ، والليل ، والنهار ، والشمس ، والقمر ، والنجوم وبين كون الكل مسخرًا في قدرته وقهره ومشيئته ، وبين أن له الحكم والأمر والنهي والتكليف ، بين أنه يستحق الثناء والتقديس والتنزيه ، فقال: { تَبَارَكَ الله رَبُّ العالمين } وقد تقدم تفسير { تبارك } فلا نعيده .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت