فهرس الكتاب

الصفحة 3143 من 8321

"ما من شيء أكرم على الله من الدعاء والدعاء هو العبادة"ثم قرأ: { إِنَّ الذين يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخرين } [ غافر: 60 ] وتمام الكلام في حقائق الدعاء مذكور في سورة البقرة في تفسير قوله: { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ } [ البقرة: 186 ] والله أعلم .

المسألة الثانية: في تقرير شرائط الدعاء .

اعلم أن المقصود من الدعاء أن يصير العبد مشاهدًا لحاجة نفسه ولعجز نفسه ومشاهدًا لكون مولاه موصوفًا بكمال العلم والقدرة والرحمة ، فكل هذه المعاني دخلت تحت قوله: { ادعوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا } ثم إذا حصلت هذه الأحوال على سبيل الخلوص ، فلا بد من صونها عن الرياء المبطل لحقيقة الإخلاص ، وهو المراد من قوله تعالى: { وَخُفْيَةً } والمقصود من ذكر التضرع تحقيق الحالة الأصلية المطلوبة من الدعاء والمقصود من ذكر الإخفاء صون ذلك الأخلاص عن شوائب الرياء ، وإذا عرفت هذا المعنى ظهر لك أن قوله سبحانه: { تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً } مشتمل على كل ما يراد تحقيقه وتحصيله في شرائط الدعاء ، وأنه لا يزيد عليه البتة بوجه من الوجوه ، وأما تفصيل الكلام في تلك الشرائط ، فقد بالغ في شرحها الشيخ سليمان الحليمي رحمة الله عليه في كتاب المنهاج فليطلب من هناك .

المسألة الثالثة: «التضرع» التذلل والتخشع ، وهو إظهار ذل النفس من قولهم: ضرع فلان لفلان ، وتضرع له إذا أظهر الذل له في معرض السؤال «والخفية» ضد العلانية . يقال: أخفيت الشيء إذا سترته ، ويقال: { خفية } أيضًا بالكسر ، وقرأ عاصم وحده في رواية أبي بكر عنه { خفية } بكسر الخاء ههنا وفي الأنعام ، والباقون بالضم ، وهما لغتان:

واعلم أن الإخفاء معتبر في الدعاء ، ويدل على وجوه: الأول: هذه الآية فإنها تدل على أنه تعالى أمر بالدعاء مقرونًا باللإخفاء ، وظاهر الأمر للوجوب ، فإن لم يحصل الوجوب ، فلا أقل من كونه ندبًا .

ثم قال تعالى بعده: { إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المعتدين } والأظهر أن المراد أنه لا يحب المعتدين في ترك هذين الأمرين المذكورين ، وهما التضرع والإخفاء ، فإن الله لا يحبه ومحبة الله تعالى عبارة عن الثواب ، فكان المعنى أن من ترك في الدعاء التضرع والإخفاء ، فإن الله لا يثيبه ألبتة ، ولا يحسن إليه ، ومن كان كذلك كان من أهل العقاب لا محالة ، فظهر أن قوله تعالى: { إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المعتدين } كالتهديد الشديد على ترك التضرع والإخفاء في الدعاء .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت