الحجة الثانية: أنه تعالى أثنى على زكريا فقال: { إِذْ نادى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا } [ مريم: 3 ] أي أخفاه عن العباد وأخلصه لله وانقطع به إليه .
الحجة الثالثة: ما روى أبو موسى الأشعري ، أنهم كانوا في غزاة فأشرفوا على واد فجعلوا يكبرون ويهللون رافعي أصواتهم فقال عليه السلام:"ارفقوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا إنكم تدعون سميعًا قريبًا وإنه لمعكم"
الحجة الرابعة: قوله عليه السلام:"دعوة في السر تعدل سبعين دعوة في العلانية"وعنه عليه السلام:"خير الذكر الخفي وخير الرزق ما يكفي"وعن الحسن أنه كان يقول: إن الرجل كان يجمع القرآن وما يشعر به جاره ، يفقه الكثير وما يشعر به الناس ، ويصلي الصلاة الطويلة في ليله وعنده الزائرون وما يشعرون به ولقد أدركنا أقوامًا كانوا يبالغون في إخفاء الأعمال ، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع صوتهم إلا همسًا ، لأن الله تعالى قال: { ادعوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً } وذكر الله عبده زكريا فقال: { إِذْ نادى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا } [ مريم: 3 ] .
الحجة الخامسة: المعقول وهو أن النفس شديدة الميل عظيمة الرغبة في الرياء والسمعة ، فإذا رفع صوته في الدعاء امتزج الرياء بذلك الدعاء فلا يبقى فيه فائدة ألبتة فكان الأولى إخفاء الدعاء ليبقى مصونًا عن الرياء وههنا مسائل عظم اختلاف أرباب الطريقة فيها ، وهي: أنه هل الأولى إخفاء العبادات أم إظهارها؟ فقال بعضهم الأولى إخفاؤها صونًا لها عن الرياء وقال أخرون: الأولى إظهارها ليرغب الغير في الاقتداء به في أداء تلك العبادات . وتوسط الشيخ محمد بن عيسى الحكيم الترمذي فقال: إن كان خائفًا على نفسه من الرياء الأولى الإخفاء صونًا لعمله عن البطلان ، وإن كان قد بلغ في الصفاء وقوة اليقين إلى حيث صار آمنًا عن شائبة الرياء كان الأولى في حقه الإظهار لتحصل فائدة الاقتداء .
المسألة الرابعة: قال أبو حنيفة C ، إخفاء التأمين أفضل . وقال الشافعي C ، إعلانه أفضل ، واحتج أبو حنيفة على صحة قوله ، قال: في قوله: «آمين» وجهان: أحدهما: أنه دعاء . والثاني: أنه من أسماء الله ، فإن كان دعاء وجب إخفاؤه لقوله تعالى: { ادعوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً } وإن كان اسمًا من أسماء الله تعالى وجب إخفاؤه لقوله تعالى: { واذكر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً } [ الأعراف: 205 ] فإن لم يثبت الوجوب فلا أقل من الندبية ونحن بهذا القول نقول:
أما قوله تعالى: { إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المعتدين } ففيه مسائل:
المسألة الأولى: أجمع المسلمون على أن المحبة صفة من صفات الله تعالى ، لأن القرآن نطق بإثباتها في آيات كثيرة . واتفقوا على أنه ليس معناها شهوة النفس وميل الطبع وطلب التلذذ بالشيء ، لأن كل ذلك في حق الله تعالى محال بالاتفاق ، واختلفوا في تفسير المحبة في حق الله تعالى على ثلاثة أقوال: