{ وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرسول تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدمع مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الحق } [ المائدة: 83 ] ومنها قاسية شديدة القسوة والنفرة عن قبول هذه المعاني كما قال: { فَهِىَ كالحجارة أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً } [ البقرة: 74 ] ومنها ما تكون شديدة الميل إلى قضاء الشهوة متباعدة عن أحوال الغضب ، ومنها ما تكون شديدة الميل إلى إمضاء الغضب ، وتكون متباعدة عن أعمال الشهوة بل نقول: من النفوس ما تكون عظيمة الرغبة في المال دون الجاه ، ومنهم من يكون بالعكس ، والراغبون في طلب المال منهم من يكون عظيم الرغبة في العقار وتفضل رغبته في النقود ، ومنهم من تعظم رغبته في تحصيل النقود ولا يرغب في الضياع والعقار ، وإذا تأملت في هذا النوع من الاعتبار تيقنت أن أحوال النفوس مختلفة في هذه الأحوال اختلافًا جوهريًا ذاتيًا لا يمكن إزالته ولا تبديله ، وإذا كان كذلك امتنع من النفس الغليظة الجاهلة المائلة بالطبع إلى أفعال الفجور أن تصير نفسًا مشرقة بالمعارف الإلهية والأخلاق الفاضلة ، ولما ثبت هذا كان تكليف هذه النفس بتلك المعارف اليقينية والأخلاق الفاضلة جاريًا مجرى تكليف ما لا يطاق فثبت بهذا البيان: أن السعيد من سعد في بطن أمه ، والشقي من شقي في بطن أمه ، وأن النفس الطاهرة يخرج نباتها من المعارف اليقينية والأخلاق الفاضلة بإذن ربها ، والنفس الخبيثة لا يخرج نباتها إلا نكدًا قليل الفائدة والخير ، كثير الفضول والشر .
والوجه الثاني: من الاستدلال بهذه الآية في هذه المسألة قوله تعالى: { بِإِذْنِ رَبّهِ } وذلك يدل على أن كل ما يعمله المؤمن من خير وطاعة لا يكون إلا بتوفيق الله تعالى .
المسألة الثالثة: قرىء { يَخْرُجُ نَبَاتُهُ } أي يخرجه البلد وينبته .
أما قوله تعالى: { والذى خَبُثَ } قال الفراء: يقال: خبث الشيء يخبث خبثًا وخباثة . وقوله: { إِلاَّ نَكِدًا } النكد: العسر الممتنع من إعطاء الخير على جهة البخل . وقال الليث: النكد: الشؤم واللؤم وقلة العطاء ، ورجل أنكد ونكد قال:
وأعط ما أعطيته طيبا ... لا خير في المنكود والناكد