فهرس الكتاب

الصفحة 3188 من 8321

أما قوله: { وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلا أَن يَشَآءَ الله } .

فاعلم أن أصحابنا يتمسكون بهذه الآية على أنه تعالى قد يشاء الكفر ، والمعتزلة يتمسكون بها على أنه تعالى لا يشاء إلا الخير والصلاح . أما وجه استدلال أصحابنا بهذه ، فمن وجهين: الأول: قوله: { إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا الله مِنْهَا } يدل على أن المنجي من الكفر هو الله تعالى ، ولو كان الإيمان يحصل بخلق العبد ، لكانت النجاة من الكفر تحصل للإنسان من نفسه ، لا من الله تعالى ، وذلك على خلاف مقتضى قوله: { بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا الله مِنْهَا } الثاني: أن معنى الآية أنه ليس لنا أن نعود إلى ملتكم إلا أن يشاء الله أن يعيدنا إلى تلك الملة ، ولما كانت تلك الملة كفرًا ، كان هذا تجويزًا من شعيب عليه السلام أن يعيدهم إلى الكفر ، فكاد هذا يكون تصريحًا من شعيب بأنه تعالى قد شاء رد المسلم إلى الكفر ، وذلك غير مذهبنا . قال الواحدي: ولم تزل الأنبياء والأكابر يخافون العاقبة وانقلاب الأمر . ألا ترى إلى قول الخليل عليه السلام: { واجنبنى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ الاصنام } [ إبراهيم: 35 ] وكثيرًا ما كان محمد E يقول: « يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك وطاعتك » وقال يوسف: { تَوَفَّنِى مُسْلِمًا } [ يوسف: 101 ] أجابت المعتزلة عنه من وجوه: الأول: أن قوله ليس لنا أن نعود إلى تلك الملة إلا أن يشاء الله أن يعيدنا إليها قضية شرطية ، وليس فيها بيان أنه تعالى شاء ذلك أو ما شاء . والثاني: أن هذا مذكور على طريق التبعيد ، كما يقال: لا أفعل ذلك إلا إذا ابيض القار ، وشاب الغراب: فعلق شعيب عليه السلام عوده إلى ملتهم على مشيئته . ومن المعلوم أنه لا يكون نفيًا لذلك أصلًا ، فهو على طريق التبعيد ، لا على وجه الشرط . الثالث: أن قوله: { إِلاَّ أَن يَشَاء الله } ليس فيه بيان أن الذي شاءه الله ما هو ، فنحن نحمله على أن المراد إلا أن يشاء الله ربنا بأن يظهر هذا الكفر من أنفسنا إذا أكرهتمونا عليه بالقتل ، وذلك لأن عند الإكراه على إظهار الكفر بالقتل يجوز إظهاره ، وما كان جائزًا كان مرادًا لله تعالى ، وكون الضمير أفضل من الإظهار ، لا يخرج ذلك الإظهار من أن يكون مراد الله تعالى ، كما أن المسح على الخفين مراد الله تعالى وإن كان غسل الرجلين أفضل . الرابع: أن قوله: { لَنُخْرِجَنَّكَ ياشعيب } المراد الإخراج عن القرية ، فيحمل قوله: { وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا } أي القرية ، لأنه تعالى قد كان حرم عليه إذا أخرجوه عن القرية ، أن يعود فيها إلا بإذن الله ومشيئته . الخامس: أن نقول يجب حمل المشيئة ههنا على الأمر ، لأن قوله: { وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلا أَن يَشَاء الله } معناه: أنه إذا شاء كان لنا أن نعود فيها . وقوله: { لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا } أي يكون ذلك العود جائزًا ، والمشيئة عند أهل السنة لا يوجب جواز الفعل ، فإنه تعالى يشاء الكفر من الكافر عندهم ، ولا يجوز له فعله ، إنما الذي يوجب الجواز هو الأمر . فثبت أن المراد من المشيئة ههنا الأمر ، فكان التقدير: إلا أن يأمر الله بعودنا في ملتكم فإنا نعود إليها ، والشريعة التي صارت منسوخة ، لا يبعد أن يأمر الله بالعمل بها مرة أخرى ، وعلى هذا التقدير يسقط استدلالكم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت