فهرس الكتاب

الصفحة 3189 من 8321

والوجه السادس: للقوم في الجواب ما ذكره الجبائي ، فقال: المراد من الملة الشريعة التي يجوز اختلاف العبادة فيها بالأوقات ، كالصلاة والصيام وغيرهما ، فقال شعيب: { وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِي مِلَّتِكُمْ } ولما دخل في ذلك كل ما هم عليه ، وكان من الجائز أن يكون بعض تلك الأحكام والشرائع باقيًا غير منسوخ ، لا جرم قال: { إِلاَّ أَن يَشَاءَ الله } والمعنى: إلا أن يشاء الله إبقاء بعضها فيدلنا عليه ، فحينئذ نعود إليها فهذا الاستثناء عائد إلى الأحكام التي يجوز دخول النسخ والتغيير فيها ، وغير عائد إلى ما لا يقبل التغير ألبتة فهذه أسئلة القوم على هذه الطريقة وهي جيدة ، وفي الآيات الدالة على صحة مذهبنا كثرة ، ولا يلزم من ضعف استدلال أصحابنا بهذه الآية دخول الضعف في المذهب . وأما المعتزلة فقد تمسكوا بهذه الآية على صحة قولهم من وجهين:

الوجه الأول: لما قالوا ظاهر قوله: { وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلا أَن يَشَاء الله رَبُّنَا } يقتضي أنه لو شاء الله عودنا إليها لكان لنا أن نعود إليها ، وذلك يقتضي أن كل ما شاء الله وجوده ، كان فعله جائزًا مأذونًا فيه ، ولم يكن حرامًا . قالوا: وهذا عين مذهبنا أن كل ما أراد الله حصوله ، كان حسنًا مأذونًا فيه ، وما كان حرامًا ممنوعًا منه لم يكن مرادًا لله تعالى .

والوجه الثاني: لهم أن قالوا: إن قوله: { لَنُخْرِجَنَّكَ . . . أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا } لا وجه للفصل بين هذين القسمين على قول الخصم ، لأن على قولهم خروجهم من القرية بخلق الله وعودهم إلى تلك الملة أيضًا بخلق الله ، وإذا كان حصول القسمين بخلق الله ، لم يبق للفرق بين القسمين فائدة .

واعلم أنه لما تعارض استدلال الفريقين بهذه الآية وجب الرجوع إلى سائر الآيات في هذا الباب .

أما قوله: { وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْء عِلْمًا } ففيه مسائل:

المسألة الأولى: في تعلق هذا الكلام بالكلام الأول وجوه: قال القاضي: قد نقلنا عن أبي علي الجبائي أن قول شعيب: { إِلا أَن يَشَاء الله رَبُّنَا } معناه: إلا أن يخلق المصلحة في تلك العبادات ، فحينئذ يكلفنا بها ، والعالم بالمصالح ليس إلا من وسع علمه كل شيء ، فلذلك أتبعه بهذا القول . وقال أصحابنا: وجه تعلق هذا الكلام بما قبله ، هو أن القوم لما قالوا لشعيب: إما أن تخرج من قريتنا وإما أن تعود إلى ملتنا ، فقال شعيب: { وَسِعَ رَبّى كُلَّ شَىْء عِلْمًا } فربما كان في علمه حصول قسم ثالث ، وهو أن نبقى في هذه القرية من غير أن نعود إلى ملتكم بل يجعلكم مقهورين تحت أمرنا ذليلين خاضعين تحت حكمنا ، وهذا الوجه أولى مما قاله القاضي ، لأن قوله: { عَلَى الله تَوَكَّلْنَا } لائق بهذا الوجه ، لا بما قاله القاضي .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت