المسألة السادسة: إنما جمع القلوب والأبصار ووحد السمع لوجوه: أحدها: أنه وحد السمع ، لأن لكل واحد منهم سمعًا واحدًا ، كما يقال: أتاني برأس الكبشين ، يعني رأس كل واحد منهما ، كما وحد البطن في قوله: «كلوا في بعض بطنكمو تعيشوا» يفعلون ذلك إذا أمنوا اللبس ، فإذا لم يؤمن كقولك . فرشهم وثوبهم وأنت تريد الجمع رفضوه . الثاني: أن السمع مصدر في أصله ، والمصادر لا تجمع يقال: رجلان صوم ، ورجال صوم ، فروعي الأصل ، يدل على ذلك جمع الأذن في قوله: { وَفِى ءاذانِنَا وَقْر } [ فصلت: 5 ] الثالث: أن نقدر مضافًا محذوفًا أي وعلى حواس سمعهم . الرابع قال سيبويه: إنه وحد لفظ السمع إلا أنه ذكر ما قبلة وما بعده بلفظ الجمع ، وذلك يدل على أن المراد منه الجمع أيضًا ، قال تعالى: { يُخْرِجُهُم مّنَ الظلمات إِلَى النور } [ البقرة: 257 ] { عَنِ اليمين وَعَنِ الشمال } [ المعارج: 37 ] قال الراعي:
بها جيف الحيدى فأما عظامها ... فبيض وأما جلدها فصليب
وإنما أراد جلودها ، وقرأ ابن أبي عبلة ( وعلى أسماعهم ) .
المسألة السابعة: من الناس من قال: السمع أفضل من البصر ، لأن الله تعالى حيث ذكرهما قدم السمع على البصر ، والتقديم دليل على التفضيل ، ولأن السمع شرط النبوة بخلاف البصر ، ولذلك ما بعث الله رسولًا أصم ، وقد كان فيهم من كان مبتلى بالعمى ، ولأن بالسمع تصل نتائج عقول البعض إلى البعض ، فالسمع كأنه سبب لاستكمال العقل بالمعارف ، والبصر لا يوقفك إلا على المحسوسات ، ولأن السمع متصرف في الجهات الست بخلاف البصر ، ولأن السمع متى بطل بطل النطق ، والبصر إذا بطل لم يبطل النطق . ومنهم من قدم البصر ، لأن آلة القوة الباصرة أشرف ، ولأن متعلق القوة الباصرة هو النور ، ومتعلق القوة السامعة الريح .
المسألة الثامنة: قوله: { خَتَمَ الله على قُلُوبِهِمْ } يدل على أن محل العلم هو القلب . واستقصينا بيانه في قوله: { نَزَلَ بِهِ الروح الأمين على قَلْبِكَ } [ الشعراء: 193 ] في سورة الشعراء .
المسألة التاسعة: قال صاحب الكشاف: البصر نور العين وهو ما يبصر به الرائي ويدرك المرئيات ، كما أن البصيرة نور القلب ، وهو ما يستبصر به ويتأمل ، فكأنهما جوهران لطيفان خلق الله تعالى فيهما آلتين للإبصار والاستبصار ، أقول: إن أصحابه من المعتزلة لا يرضون منه بهذا الكلام: وتحقيق القول في الأبصار يستدعي أبحاثًا غامضة لا تليق بهذا الموضع .
المسألة العاشرة: قرىء { غشاوة } بالكسر والنصب ، وغشاوة بالضم والرفع ، وغشاوة بالفتح والنصب ، وغشوة بالكسر والرفع ، وغشوة بالفتح والرفع والنصب ، وغشاوة بالعين غير المعجمة والرفع من الغشا ، والغشاوة هي الغطاء ، ومنه الغاشية ، ومنه غشي عليه إذا زال عقله والغشيان كناية عن الجماع .
المسألة الحادية عشرة: العذاب مثل النكال بناء ومعنى ، لأنك تقول أعذب عن الشيء إذا أمسك عنه ، كما تقول نكل عنه ، ومنه العذب ، لأنه يقمع العطش ويردعه بخلاف الملح فإنه يزيده ، ويدل عليه تسميتهم إياه نقاخًا ، لأنه ينقخ العطش أي يكسره ، وفراتًا لأنه برفته عن القلب ، ثم اتسع فيه فسمي كل ألم فادح عذابًا وإن لم يكن نكالًا أي عقابًا يرتدع به الجاني عن المعاودة ، والفرق بين العظيم والكبير: أن العظيم نقيض الحقير ، والكبير نقيض الصغير ، فكأن العظيم فوق الكبير ، كما أن الحقير دون الصغير ، ويستعملان في الجثث والأحداث جميعًا ، تقول: رجل عظيم وكبير تريد جثته أو خطره ، ومعنى التنكير أن على أبصارهم نوعًا من الأغطية غير ما يتعارفه الناس ، وهو غطاء التعامي عن آيات الله ، ولهم من بين الآلام العظام نوع عظيم لا يعلم كنهه إلا الله تعالى .