{ كَلاَّ بَلْ رَانَ على قُلُوبِهِمْ } [ المطففين: 14 ] { وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِى ءاذَانِهِمْ وَقْرًا } [ الأنعام: 25 ] { وَطُبِعَ على قُلُوبِهِمْ } [ التوبة: 87 ] { بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ } [ النساء: 155 ] { فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُون } [ فصلت: 4 ] { لّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا } [ ياس: 70 ] { إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الموتى وَلاَ تُسْمِعُ الصم الدعاء } [ النمل: 80 ] { أموات غَيْرُ أَحْيَاء } [ النحل: 21 ] { فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ } [ البقرة: 10 ] والقسم الثاني: وردت دلالة على أنه لا مانع البتة { وَمَا مَنَعَ الناس أَن يُؤْمِنُواْ } [ الأسراء: 94 ] { فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُر } [ االكهف: 29 ] { لاَ يُكَلّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } [ البقرة: 286 ] { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى الدين مِنْ حَرَجٍ } [ الحج: 78 ] { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله } [ البقرة: 28 ] { لِمَ تَلْبِسُونَ الحق بالباطل } [ آل عمران: 71 ] والقرآن مملوء من هذين القسمين ، وصار كل قسم منهما متمسكًا لطائفة ، فصارت الدلائل السمعية لكونها من الطرفين واقعة في حيز التعارض . أما الدلائل العقلية فهي التي سبقت الإشارة إليها ، وبالجملة فهذه المسألة من أعظم المسائل الإسلامية وأكثرها شعبًا وأشدها شغبًا ، ويحكى أن الإمام أبا القاسم الأنصاري سئل عن تكفير المعتزلة في هذه المسألة فقال لا ، لأنهم نزهوه ، فسئل عن أهل السنّة فقال لا ، لأنهم عظموه ، والمعنى أن كلا الفريقين ما طلب إلا إثبات جلال الله وعلو كبريائه ، إلا أن أهل السنّة وقع نظرهم على العظمة فقالوا: ينبغي أن يكون هو الموجد ولا موجد سواه ، والمعتزلة وقع نظرهم على الحكمة فقالوا لا يليق بجلال حضرته هذه القبائح ، وأقول: ههنا سر آخر ، وهو أن إثبات الإله يلجىء إلى القول بالجبر ، لأن الفاعلية لو لم تتوقف على الداعية لزم وقوع الممكن من غير مرجح ، وهو نفي الصانع ، ولو توقفت لزم الجبر . وإثبات الرسول يلجىء إلى القول بالقدرة . بل ههنا سر آخر هو فوق الكل ، وهو أنا لما رجعنا إلى الفطرة السليمة والعقل الأول وجدنا أن ما استوى الوجود والعدم بالنسبة إليه لا يترجح أحدهما على الآخر إلا لمرجح ، وهذا يقتضي الجبر ، ونجد أيضًا تفرقة بديهية بين الحركات الاختيارية والحركات الاضطرارية وجزمًا بديهيًا بحسن المدح وقبح الذم والأمر والنهي ، وذلك يقتضي مذهب المعتزلة ، فكأن / هذه المسألة وقعت في حيز التعارض بحسب العلوم الضرورية ، وبحسب العلوم النظرية ، وبحسب تعظيم الله تعالى نظرًا إلى قدرته وحكمته ، وبحسب التوحيد والتنزيه وبحسب الدلائل السمعية ، فلهذه المآخذ التي شرحناها والأسرار التي كشفنا عن حقائقها صعبت المسألة وغمضت وعظمت ، فنسأل الله العظيم أن يوفقنا للحق وأن يختم عاقبتنا بالخير آمين رب العالمين .
المسألة الرابعة: قال صاحب الكشاف: اللفظ يحتمل أن تكون الأسماع داخلة في حكم الختم ، وفي حكم التغشية ، إلا أن الأولى دخولها في حكم الختم ، لقوله تعالى: { وَخَتَمَ على سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ على بَصَرِهِ غشاوة } [ الجاثية: 23 ] ولوقفهم على سمعهم دون قلوبهم .
المسألةالخامسة: الفائدة في تكرير الجار في قوله: { وعلى سَمْعِهِمْ } أنها لما أعيدت للأسماع كان أدل على شدة الختم في الموضعين .