فهرس الكتاب

الصفحة 3242 من 8321

والحجة الرابعة: قوله تعالى حكاية عن موسى لما أفاق أنه قال: { تُبْتُ إِلَيْكَ } ولولا أن طلب الرؤية ذنب لما تاب منه ، ولولا أنه ذنب ينافي صحة الإسلام لما قال: { وَأَنَاْ أَوَّلُ المؤمنين } .

واعلم أن أصحابنا قالوا: الرؤية كانت جائزة ، إلا أنه عليه السلام سألها بغير الإذن وحسنات الأبرار سيئات المقربين ، فكانت التوبة توبة عن هذا المعنى لا عما ذكروه ، فهذا جملة الكلام في هذه الآية . والله أعلم بالصواب .

المسألة الرابعة: في البحث عن هذه الآية . نقل عن ابن عباس أنه قال: جاء موسى عليه السلام ومعه السبعون وصعد موسى الجبل وبقي السبعون في أسفل الجبل ، وكلم الله موسى وكتب له في الألواح كتابًا وقربه نجيًا ، فلما سمع موسى صرير القلم عظم شوقه ، فقال: { رَبّ أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ } قال صاحب «الكشاف» : ثاني مفعولي { أَرِنِى } محذوف ، أي { أَرِنِى } نفسك { أَنظُرْ إِلَيْكَ } وفي لفظ الآية سؤالات:

السؤال الأول: النظر: إما أن يكون عبارة عن الرؤية أو عن مقدمتها وهي تقليب الحدقة السليمة إلى جانب المرئي التماسًا لرؤيته ، وعلى التقدير الأول: يكون المعنى أرني حتى أراك ، وهذا فاسد ، وعلى التقدير الثاني: يكون المعنى أرني حتى أقلب الحدقة إلى جانبك وهذا فاسد لوجهين: أحدهما: أنه يقتضي إثبات الجهة لله تعالى . والثاني: أن تقليب الحدقة إلى جهة المرئي مقدمة للرؤية فجعله كالنتيجة عن الرؤية وذلك فاسد .

والجواب: أن قوله: { أَرِنِى } معناه اجعلني متمكنًا من رؤيتك حتى أنظر إليك وأراك .

السؤال الثاني: كيف قال: { لَن تَرَانِى } ولم يقل لن تنظر إلي ، حتى يكون مطابقًا لقوله: { أَنظُرْ إِلَيْكَ } .

والجواب: أن النظر لما كان مقدمة للرؤية كان المقصود هو الرؤية لا النظر الذي لا رؤية معه .

والسؤال الثالث: كيف اتصل الاستدراك في قوله: { ولكن انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ } بما قبله؟

والجواب: المقصود منه تعظيم أمر الرؤية وأن أحدًا لا يقوى على رؤية الله تعالى إلا إذا قواه الله تعالى بمعونته وتأييده ، ألا ترى أنه لما ظهر أثر التجلي والرؤية للجبل اندك وتفرق ، فهذا من هذا الوجه يدل على تعظيم أمر الرؤية .

أما قوله: { فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ } فقال الزجاج: { تجلى } أي ظهر وبان ، ومنه يقال جلوت العروس إذا أبرزتها ، وجلوت المرآة والسيف إذا أزلت ما عليهما من الصدأ ، وقوله: { جَعَلَهُ دَكّا } قال الزجاج: يجوز { دَكًّا } بالتنوين و { دَكَّاء } بغير تنوين أي جعله مدقوقًا مع الأرض يقال: دككت الشيء إذا دققته أدكه دكًا ، والدكاء والدكاوات: الروابي التي تكون مع الأرض ناشزة . فعلى هذا ، الدك مصدر ، والدكاء اسم . ثم روى الواحدي بإسناده عن الأخفش في قوله: { جَعَلَهُ دَكّا } أنه قال: دكه دكًا مصدر مؤكد ، ويجوز جعله ذا دك . قال ومن قرأ { دَكَّاء } ممدودًا أراد جعله دكاء أي أرضًا مرتفعة ، وهو موافق لما روي عن ابن عباس أنه قال: جعله ترابًا . وقوله: { وَخَرَّ موسى صَعِقًا } قال الليث: الصعق مثل الغشي يأخذ الإنسان ، والصعقة الغشية . يقال: صعق الرجل وصعق ، فمن قال صعق فهو صعق . ومن قال صعق فهو مصعوق . ويقال أيضًا: صعق إذا مات ، ومنه قوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت