فهرس الكتاب

الصفحة 3267 من 8321

{ وَمَا كُنْتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كتاب وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارتاب المبطلون } [ العنكبوت: 48 ] الثالث: أن تعلم الخط شيء سهل فإن أقل الناس ذكاء وفطنة يتعلمون الخط بأدنى سعى ، فعدم تعلمه يدل على نقصان عظيم في الفهم ، ثم إنه تعالى آتاه علوم الأولين والآخرين وأعطاه من العلوم والحقائق ما لم يصل إليه أحد من البشر ، ومع تلك القوة العظيمة في العقل والفهم جعله بحيث لم يتعلم الخط الذي يسهل تعلمه على أقل الخلق عقلًا وفهمًا ، فكان الجمع بين هاتين الحالتين المتضادتين جاريًا مجرى الجمع بين الضدين وذلك من الأمور الخارقة للعادة وجار مجرى المعجزات .

الصفة الرابعة: قوله تعالى: { الذى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى التوراة والإنجيل } وهدا يدل على أن نعته وصحة نبوته مكتوب في التوراة والإنجيل ، لأن ذلك لو لم يكن مكتوبًا لكان ذكر هذا الكلام من أعظم المنفرات لليهود والنصارى عن قبول قوله ، لأن الإصرار على الكذب والبهتان من أعظم المنفِّرات ، والعاقل لا يسعى فيما يوجب نقصان حاله ، وينفر الناس عن قبول قوله: فلما قال ذلك دل هذا على أن ذلك النعت كان مذكورًا في التوراة والإنجيل وذلك من أعظم الدلائل على صحة نبوته .

الصفة الخامسة: قوله: { يَأْمُرُهُم بالمعروف } قال الزجاج: يجوز أن يكون قوله: { يَأْمُرُهُم بالمعروف } استئنافًا ، ويجوز أن يكون المعنى { يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ } أنه { يَأْمُرُهُم بالمعروف } وأقول مجامع الأمر بالمعروف محصورة في قوله E: « التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله » وذلك لأن الموجود إما واجب الوجود لذاته وإما ممكن الوجود لذاته . أما الواجب لذاته فهو الله جل جلاله ، ولا معروف أشرف من تعظيمه وإظهار عبوديته وإظهار الخضوع والخشوع على باب عزته والاعتراف بكونه موصوفًا بصفات الكمال مبرأ عن النقائص والآفات منزهًا عن الأضداد والأنداد ، وأما الممكن لذاته فإن لم يكن حيوانًا ، فلا سبيل إلى إيصال الخير إليه لأن الانتفاع مشروط بالحياة ، ومع هذا فإنه يجب النظر إلى كلها بعين التعظيم من حيث أنها مخلوقة لله تعالى ، ومن حيث أن كل ذرة من ذرات المخلوقات لما كانت دليلًا قاهرًا وبرهانًا باهرًا على توحيده وتنزيهه فإنه يجب النظر إليه بعين الاحترام . ومن حيث إن الله تعالى في كل ذرة من ذرات المخلوقات أسرارًا عجيبة وحكمًا خفية فيجب النظر إليها بعين الاحترام ، وأما إن كان ذلك المخلوق من جنس الحيوان فإنه يجب إظهار الشفقة عليه بأقصى ما يقدر الإنسان عليه ، ويدخل فيه بر الوالدين وصلة الأرحام وبث المعروف فثبت أن قوله E: « التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله » كلمة جامعة لجميع جهات الأمر بالمعروف .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت