أما قوله تعالى: { وَذَرُواْ الذين يُلْحِدُونَ فِى أسمائه } ففيه مسائل:
المسألة الأولى: قرأ حمزة { يُلْحِدُونَ } ووافقه عاصم والكسائي في النحل . قال الفراء: { يُلْحِدُونَ } و { يُلْحِدُونَ } لغتان: يقال: لحدت لحدًا وألحدت ، قال أهل اللغة: معنى الإلحاد في اللغة الميل عن القصد . قال ابن السكيت: الملحد العادل عن الحق المدخل فيه ما ليس منه . يقال: قد ألحد في الدين ولحد ، وقال أبو عمرو من أهل اللغة: الإلحاد: العدل عن الاستقامة والانحراف عنها . ومنه اللحد الذي يحفر في جانب القبر . قال الواحدي C: والأجود قراءة العامة لقوله تعالى: { وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ } [ الحج: 25 ] والإلحاد أكثر في كلامهم لقولهم: ملحد ، ولا تكاد تسمع العرب يقولون لاحد .
المسألة الثانية: قال المحققون: الإلحاد في أسماء الله يقع على ثلاثة أوجه: الأول: إطلاق أسماء الله المقدسة الطاهرة على غير الله ، مثل أن الكفار كانوا يسمون الأوثان بآلهة ، ومن ذلك أنهم سموا أصنامًا لهم باللات والعزى والمناة ، واشتقاق اللات من الإله ، والعزى من العزيز ، واشتقاق مناة من المنان . وكان مسيلمة الكذاب لقب نفسه بالرحمن . والثاني: أن يسموا الله بما لا يجوز تسميته به ، مثل تسمية من سماه أبًا للمسيح . وقول جمهور النصارى: أب ، وابن ، وروح القدس ، ومثل أن الكرامية يطلقون لفظ الجسم على الله سبحانه ويسمونه به ، ومثل أن المعتزلة قد يقولون في أثناء كلامهم ، لو فعل تعالى كذا وكذا لكان سفيهًا مستحقًا للذم ، وهذه الألفاظ مشعرة بسوء الأدب . قال أصحابنا: وليس كل ما صح معناه جاز إطلاقه باللفظ في حق الله ، فإنه ثبت بالدليل أنه سبحانه هو الخالق لجميع الأجسام ، ثم لا يجوز أن يقال: يا خالق الديدان والقرود والقردان ، بل الواجب تنزيه الله عن مثل هذه الأذكار ، وأن يقال: يا خالق الأرض والسموات يا مقيل العثرات يا راحم العبرات إلى غيرها من الأذكار الجميلة الشريفة . والثالث: أن يذكر العبد ربه بلفظ لا يعرف معناه ولا يتصور مسماه ، فإنه ربما كان مسماه أمرًا غير لائق بجلال الله ، فهذه الأقسام الثلاثة هي الإلحاد في الأسماء .