فهرس الكتاب

الصفحة 3360 من 8321

[ التوبة: 124 ] ثم فيه مسائل:

المسألة الأولى: زيادة الإيمان الذي هو التصديق على وجهين:

الوجه الأول: وهو الذي عليه عامة أهل العلم على ما حكاه الواحدي C: أن كل من كانت الدلائل عنده أكثر وأقوى كان أزيد إيمانًا ، لأن عند حصول كثرة الدلائل وقوتها يزول الشك ويقوى اليقين ، وإليه الإشارة بقوله عليه السلام: « لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح » يريد أن معرفته بالله أقوى .

ولقائل أن يقول: المراد من هذه الزيادة: إما قوة الدليل أو كثرة الدلائل . أما قوة الدليل فباطل ، وذلك لأن كل دليل فهو مركب لا محالة من مقدمات ، وتلك المقدمات إما أن يكون مجزومًا بها جزمًا مانعًا من النقيض أو لا يكون فإن كان الجزم المانع من النقيض حاصلًا في كل المقدمات ، امتنع كون بعض الدلائل أقوى من بعض على هذا التفسير ، لأن الجزم المانع من النقيض لا يقبل التفاوت ، وأما إن كان الجزم المانع من النقيض غير حاصل إما في الكل أو في البعض فذلك لا يكون دليلًا ، بل أمارة ، والنتيجة الحاصلة منها لا تكون علمًا بل ظنًا ، فثبت بما ذكرنا أن حصول التفاوت في الدلائل بسبب القوة محال ، وأما حصول التفاوت بسبب كثرة الدلائل فالأمر كذلك ، لأن الجزم الحاصل بسبب الدليل الواحد ، إن كان مانعًا من النقيض فيمتنع أن يصير أقوى عند اجتماع الدلائل الكثيرة ، وإن كان غير مانع من النقيض لم يكن دليلًا ، بل كان أمارة ولم تكن النتيجة معلومة بل مظنونة ، فثبت أن هذا التأويل ضعيف .

واعلم أنه يمكن أن يقال: المراد من هذه الزيادة الدوام وعدم الدوام ، وذلك لأن بعض المستدلين لا يكون مستحضرًا للدليل والمدلول إلا لحظة واحدة ، ومنهم من يكون مداومًا لتلك الحالة وبين هذين الطرفين أوساط مختلفة ، ومراتب متفاوتة ، وهو المراد من الزيادة .

والوجه الثاني: من زيادة التصديق أنهم يصدقون بكل ما يتلى عليهم من عند الله ، ولما كانت التكاليف متوالية في زمن الرسول A متعاقبة ، فعند حدوث كل تكليف كانوا يزيدون تصديقًا وإقرارًا ، ومن المعلوم أن من صدق إنسانًا في شيئين كان تصديقه له أكثر من تصديق من صدقه في شيء واحد . وقوله: { إِنَّمَا المؤمنون الذين إِذَا ذُكِرَ الله } معناه: أنهم كلما سمعوا آية جديدة أتوا بإقرار جديد فكان ذلك زيادة في الإيمان والتصديق ، وفي الآية وجه ثالث: وهو أن كمال قدرة الله وحكمته ، إنما تعرف بواسطة آثار حكمة الله في مخلوقاته ، وهذا بحر لا ساحل له ، وكلما وقف عقل الإنسان على آثار حكمة الله في تخليق شيء آخر ، انتقل منه إلى طلب حكمة في تخليق شيء آخر ، فقد انتقل من مرتبة إلى مرتبة أخرى أعلى منها وأشرف وأكمل ، ولما كانت هذه المراتب لا نهاية لها ، لا جرم لا نهاية لمراتب التجلي والكشف والمعرفة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت