فهرس الكتاب

الصفحة 3361 من 8321

المسألة الثانية: اختلفوا في أن الإيمان هل يقبل الزيادة والنقصان أم لا؟ أما الذين قالوا: الإيمان عبارة عن مجموع الاعتقاد والإقرار والعمل ، فقد احتجوا بهذه الآية من وجهين: الأول: أن قوله: { زَادَتْهُمْ إيمانا } يدل على أن الإيمان يقبل الزيادة ، ولو كان الإيمان عبارة عن المعرفة والإقرار لما قبل الزيادة . والثاني: أنه تعالى لما ذكر هذه الأمور الخمسة . قال: في الموصوفين بها { أُوْلئِكَ هُمُ المؤمنون حَقًّا } وذلك يدل على أن كل تلك الخصال داخل في مسمى الإيمان . وروي عن أبي هريرة عن النبي A أنه قال: « الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، والحياء شعبة من الإيمان » واحتجوا بهذه الآية على أن الإيمان عبارة عن مجموع الأركان الثلاثة . قالوا: لأن الآية صريحة في أن الإيمان يقبل الزيادة ، والمعرفة والإقرار لا يقبلان التفاوت ، فوجب أن يكون الإيمان عبارة عن مجموع الإقرار والاعتقاد والعمل ، حتى أن بسبب دخول التفاوت في العمل يظهر التفاوت في الإيمان ، وهذا الاستدلال ضعيف ، لما بينا أن التفاوت بالدوام وعدم الدوام حاصل في الاعتقاد والإقرار ، وهذا القدر يكفي في حصول التفاوت في الإيمان ، والله أعلم .

المسألة الثالثة: قوله: { إِنَّمَا المؤمنون الذين إِذَا ذُكِرَ الله } ظاهره مشعر بأن تلك الآيات هي المؤثرة في حصول الزيادة في الإيمان ، وليس الأمر كذلك ، لأن نفس تلك الآيات لا توجب الزيادة ، بل إن كان ولا بد فالموجب هو سماع تلك الآيات أو معرفة تلك الآيات توجب زيادة في المعرفة والتصديق والله أعلم .

الصفة الثالثة: للمؤمنين قوله تعالى: { وعلى رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } واعلم أن صفة المؤمنين أن يكونوا واثقين بالصدق في وعده ووعيده ، وأن يقولوا صدق الله ورسوله ، وأن لا يكون قولهم كقول المنافقين { مَّا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا } [ الأحزاب: 12 ] ثم نقول: هذا الكلام يفيد الحصر ، ومعناه: أنهم لا يتوكلون إلا على ربهم ، وهذه الحالة مرتبة عالية ودرجة شريفة ، وهي: أن الإنسان بحيث يصير لا يبقي له اعتماد في أمر من الأمور إلا على الله .

واعلم أن هذه الصفات الثلاثة مرتبة على أحسن جهات الترتيب ، فإن المرتبة الأولى هي: الوجل من عقاب الله .

والمرتبة الثانية: هي الانقياد لمقامات التكاليف لله .

والمرتبة الثالثة: هي الانقطاع بالكلية عما سوى الله ، والاعتماد بالكلية على فضل الله ، بل الغنى بالكلية عما سوى الله تعالى .

والصفة الرابعة والخامسة: قوله: { الذين يُقِيمُونَ الصلاة وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ } واعلم أن المراتب الثلاثة المتقدمة أحوال معتبرة في القلوب والبواطن ، ثم انتقل منها إلى رعاية أحوال الظاهر ورأس الطاعات المعتبرة في الظاهر ، ورئيسها بذل النفس في الصلاة ، وبذل المال في مرضاة الله ، ويدخل فيه الزكوات والصدقات والصلاة ، والإنفاق في الجهاد ، والإنفاق على المساجد والقناطر ، قالت المعتزلة: إنه تعالى مدح من ينفق ما رزقه الله ، وأجمعت الأمة على أنه لا يجوز الإنفاق من الحرام ، وذلك يدل على أن الحرام لا يكون رزقًا ، وقد سبق ذكر هذا الكلام مرارًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت