فهرس الكتاب

الصفحة 3362 من 8321

واعلم أن الله تعالى لما ذكر هذه الصفات الخمس: أثبت للموصوفين بها أمورًا ثلاثة: الأول: قوله: { أُوْلئِكَ هُمُ المؤمنون حَقًّا } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: قوله: { حَقًّا } بماذا يتصل . فيه قولان: أحدهما: بقوله: { هُمُ المؤمنون } أي هم المؤمنون بالحقيقة . والثاني: أنه تم الكلام عند قوله: { أُوْلئِكَ هُمُ المؤمنون } ثم ابتدأ وقال: { حَقًّا لَّهُمْ درجات } .

المسألة الثانية: ذكروا في انتصاب { حَقًّا } وجوهًا: الأول: قال الفراء: التقدير: أخبركم بذلك حقًا ، أي أخبارًا حقًا ، ونظيره قوله: { أُوْلَئِكَ هُمُ الكافرون حَقًّا } [ النساء: 151 ] والثاني: قال سيبويه: إنه مصدر مؤكد لفعل محذوف يدل عليه الكلام ، والتقدير: وإن الذي فعلوه كان حقًا صدقًا . الثالث: قال الزجاج . التقدير: أولئك هم المؤمنون أحق ذلك حقًا .

المسألة الثالثة: اتفقوا على أنه يجوز للمؤمن أن يقول أنا مؤمن ، واختلفوا في أنه هل يجوز للرجل أن يقول أنا مؤمن حقًا أم لا؟ فقال أصحاب الشافعي: الأولى أن يقول الرجل: أنا مؤمن إن شاء الله ، ولا يقول أنا مؤمن حقًا . وقال أصحاب أبي حنيفة C: الأولى أن يقول أنا مؤمن حقًا ، ولا يجوز أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله ، أما الذين قالوا إنه يقول: أنا مؤمن إن شاء الله ، فلهم فيه مقامان:

المقام الأول: أن يكون ذلك لأجل حصول الشك في حصول الإيمان .

المقام الثاني: أن لا يكون الأمر كذلك . أما المقام الأول ، فتقريره: أن الإيمان عند الشافعي Bه عبارة عن مجموع الاعتقاد والإقرار والعمل . ولا شك أن كون الإنسان آتيًا بالأعمال الصالحة أمر مشكوك فيه ، والشك في أحد أجزاء الماهية يوجب الشك في حصول تلك الماهية ، فالإنسان وإن كان جازمًا بحصول الاعتقاد والإقرار ، إلا أنه لما كان شاكًا في حصول العمل كان هذا القدر يوجب كونه شاكًا في حصول الإيمان ، وأما عند أبي حنيفة C ، فلما كان الإيمان اسمًا للاعتقاد والقول ، وكان العمل خارجًا عن مسمى الإيمان ، لم يلزم من الشك في حصول الأعمال الشك في الإيمان . فثبت أن من قال إن الإيمان عبارة عن مجموع الأمور الثلاثة يلزمه وقوع الشك في الإيمان ، ومن قال العمل خارج عن مسمى الإيمان يلزمه نفي الشك عن الإيمان ، وعند هذا ظهر أن الخلاف ليس إلا في اللفظ فقط . وأما المقام الثاني: وهو أن نقول: إن قوله: أنا مؤمن إن شاء الله ليس لأجل الشك ، فيه وجوه: الأول: أن كون الرجل مؤمنًا أشرف صفاته وأعرف نعوته وأحواله ، فإذا قال أنا مؤمن ، فكأنه مدح نفسه بأعظم المدائح . فوجب أن يقول: إن شاء الله ليصير هذا سببًا لحصول الانكسار في القلب وزوال العجب . روي أن أبا حنيفة C ، قال لقتادة: لم تستثني في إيمانك . قال اتباعًا لإبراهيم عليه السلام في قوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت