{ والذى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى يَوْمَ الدين } [ الشعراء: 82 ] فقال أبو حنيفة C: هلا اقتديت به في قوله: { أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بلى } [ البقرة: 260 ] وأقول: كان لقتادة أن يجيب ، ويقول: إنه بعد أن قال: { بلى } قال: { ولكن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى } فطلب مزيد الطمأنينة ، وهذا يدل على أنه لا بد من قول إن شاء الله . الثاني: أنه تعالى ذكر في هذه الآية أن الرجل لا يكون مؤمنًا إلا إذا كان موصوفًا بالصفات الخمسة ، وهي الخوف من الله ، والإخلاص في دين الله ، والتوكل على الله ، والإتيان بالصلاة والزكاة لوجه الله تعالى . وذكر في أول الآية ما يدل على الحصر ، وهو قوله: { إِنَّمَا المؤمنون الذين } هم كذا وكذا . وذكر في آخر الآية قوله: { أُوْلئِكَ هُمُ المؤمنون حَقًّا } وهذا أيضًا يفيد الحصر ، فلما دلت هذه الآية على هذا المعنى ، ثم إن الإنسان لا يمكنه القطع على نفسه بحصول هذه الصفات الخمس ، لا جرم كان الأولى أن يقول: إن شاء الله . روى أن الحسن سأله رجل وقال: أمؤمن أنت؟ فقال: الإيمان إيمانان ، فإن كنت تسألني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، فأنا مؤمن ، وإن كنت تسألني عن قوله: { إِنَّمَا المؤمنون الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } فوالله لا أدري أمنهم أنا أم لا؟ الثالث: أن القرآن العظيم دل على أن كل من كان مؤمنًا ، كان من أهل الجنة فالقطع بكونه مؤمنًا يوجب القطع بكونه من أهل الجنة ، وذلك لا سبيل إليه ، فكذا هذا . ونقل عن الثوري أنه قال: من زعم أنه مؤمن بالله حقًا ، ثم لم يشهد بأنه من أهل الجنة ، فقد آمن بنصف الآية . والمقصود أنه كما لا سبيل إلى القطع بأنه من أهل الجنة ، فكذلك لا سبيل إلى القطع بأنه مؤمن . الرابع: أن الإيمان عبارة عن التصديق بالقلب وعن المعرفة ، وعلى هذا فالرجل إنما يكون مؤمنًا في الحقيقة عند ما يكون هذا التصديق وهذه المعرفة حاصلة في القلب حاضرة في الخاطر ، فأما عند زوال هذا المعنى ، فهو إنما يكون مؤمنًا بحسب حكم الله ، أما في نفس الأمر فلا .
إذا عرفت هذا لم يبعد أن يكون المراد بقوله إن شاء الله عائدًا إلى استدامة مسمى الإيمان واستحضار معناه أبدًا دائمًا من غير حصول ذهول وغفلة عنه ، وهذا المعنى محتمل . الخامس: أن أصحاب الموافاة يقولون: شرط كونه مؤمنًا في الحال حصول الموافاة على الإيمان ، وهذا الشرط لا يحصل إلا عند الموت ، ويكون مجهولًا ، والموقوف على المجهول مجهول . فلهذا السبب حسن أن يقال: أنا مؤمن إن شاء الله . السادس: أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله عند الموت ، والمراد صرف هذا الاستثناء إلى الخاتمة والعاقبة ، فإن الرجل وإن كان مؤمنًا في الحال ، إلا أن بتقدير أن لا يبقى ذلك الإيمان في العاقبة؛ كان وجوده كعدمه ، ولم تحصل فائدة أصلًا ، فكان المقصود من ذكر هذا الاستثناء هذا المعنى . السابع: أن ذكر هذه الكلمة لا ينافي حصول الجزم والقطع ، ألا ترى أنه تعالى قال: