أما قوله: { إِن يَعْلَمِ الله فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا } ففيه مسألتان:
المسألة الأولى: يجب أن يكون المراد من هذا الخير: الإيمان والعزم على طاعة الله وطاعة رسوله في جميع التكاليف ، والتوبة عن الكفر وعن جميع المعاصي ، ويدخل فيه العزم على نصرة الرسول ، والتوبة عن محاربته .
المسألة الثانية: احتج هشام بن الحكم على قوله: إنه تعالى لا يعلم الشيء إلا عند حدوثه بهذه الآية ، لأن قوله: { إِن يَعْلَمِ الله فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا } فعل كذا وكذا شرط وجزاء ، والشرط هو حصول هذا العلم ، والشرط والجزاء لا يصح وجودهما إلا في المستقبل ، وذلك يوجب حدوث علم الله تعالى .
والجواب: أن ظاهر اللفظ وإن كان يقتضي ما ذكره هشام ، إلا أنه لما دل الدليل على أن علم الله يمتنع أن يكون محدثًا وجب أن يقال: ذكر العلم وأراد به المعلوم من حيث إنه يدل حصول العلم على حصول المعلوم .
أما قوله: { يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ } ففيه مسألتان:
المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف» : قرأ الحسن { مّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ } على البناء للفاعل .
المسألة الثانية: للمفسرين في هذا الخير أقوال:
القول الأول: المراد: الخلف مما أخذ منهم في الدنيا . قال القاضي: لأنه تعالى عطف عليه أمر الآخرة بقوله: { وَيَغْفِرْ لَكُمْ } فما تقدم يجب أن يكون المراد منه منافع الدنيا .
ولقائل أن يقول: إن قوله: { وَيَغْفِرْ لَكُمْ } المراد منه إزالة العقاب ، وعلى هذا التقدير: لم يبعد أن يكون المراد من هذا الخير المذكور أيضًا الثواب والتفضل في الآخرة .
والقول الثاني: المراد من هذا الخير ثواب الآخرة ، فإن قوله: { وَيَغْفِرْ لَكُمْ } المراد منه في الآخرة ، فالخير الذي تقدمه يجب أيضًا أن يكون في الدنيا .
والقول الثالث: أنه محمول على الكل .
فإن قيل: إذا حملتم الخير على خيرات الدنيا ، فهل تقولون إن كل من أخلص من الأسارى قد آتاه الله خيرًا مما أخذ منه؟
قلنا: هكذا يجب أن يكون بحكم الآية ، إلا أنا لا نعلم من المخلص بقلبه . حتى يتوجه علينا فيه السؤال ، ولا نعلم أيضًا من الذي آتاه الله علمًا ، وقد علمنا أن قليل الدنيا مع الإيمان أعظم من كثير الدنيا مع الكفر .
ثم قال: { والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } وهو تأكيد لما مضى ذكره من قوله: { وَيَغْفِرْ لَكُمْ } والمعنى: كيف لا يفي بوعده المغفرة وأنه غفور رحيم؟
أما قوله: { وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ الله مِن قَبْلُ } ففيه مسائل:
المسألة الأولى: في تفسير هذه الخيانة وجوه: الأول: أن المراد منه الخيانة في الدين وهو الكفر ، يعني إن كفروا بك فقد خانوا الله من قبل . الثاني: أن المراد من الخيانة منع ما ضمنوا من الفداء . الثالث: روي أنه عليه السلام لما أطلقهم من الأسر عهد معهم أن لا يعودوا إلى محاربته وإلى معاهدة المشركين ، وهذا هو العادة فيمن يطلق من الحبس والأسر ، فقال تعالى: { وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ } أي نكث هذا العهد فقد خانوا الله من قبل ، والمراد أنهم كانوا يقولون