ثم إنه تعالى لما بين هذه الأحكام قال: { إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِى الارض وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } والمعنى: إن لم تفعلوا ما أمرتكم به في هذه التفاصيل المذكورة المتقدمة تحصل فتنة في الأرض ومفسدة عظيمة ، وبيان هذه الفتنة والفساد من وجوه: الأول: أن المسلمين لو اختلطوا بالكفار في زمان ضعف المسلمين وقلة عددهم ، وزمان قوة الكفار وكثرة عددهم ، فربما صارت تلك المخالطة سببًا لالتحاق المسلم بالكفار . الثاني: أن المسلمين لو كانوا متفرقين لم يظهر منهم جمع عظيم ، فيصير ذلك سببًا لجراءة الكفار عليهم . الثالث: أنه إذا كان جمع المسلمين كل يوم في الزيادة في العدة والعدة ، صار ذلك سببًا لمزيد رغبتهم فيما هم فيه ورغبة المخالف في الالتحاق بهم .
واعلم أنه تعالى لما ذكر هذا القسم الثالث ، عاد إلى ذكر القسم الأول والثاني مرة أخرى فقال: { والذين ءامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وجاهدوا فِي سَبِيلِ الله والذين ءاوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَئِكَ هُمُ المؤمنون حَقًّا لَهمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } .
واعلم أن هذا ليس بتكرار وذلك لأنه تعالى ذكرهم أولًا ليبين حكمهم وهو ولاية بعضهم بعضًا ، ثم إنه تعالى ذكرهم ههنا لبيان تعظيم شأنهم وعلو درجتهم ، وبيانه من وجهين: الأول: أن الإعادة تدل على مزيد الاهتمام بحالهم وذلك يدل على الشرف التعظيم . والثاني: وهو أنه تعالى أثنى عليهم ههنا من ثلاثة أوجه: أولها: قوله: { أُوْلئِكَ هُمُ المؤمنون حَقًّا } فقوله: { أُوْلئِكَ هُمُ المؤمنون } يفيد الحصر وقوله: { حَقًّا } يفيد المبالغة في وصفهم بكونهم محقين محققين في طريق الدين ، والأمر في الحقيقة كذلك ، لأن من لم يكن محقًا في دينه لم يتحمل ترك الأديان السالفة ، ولم يفارق الأهل والوطن ولم يبذل النفس والمال ولم يكن في هذه الأحوال من المتسارعين المتسابقين . وثانيها: قوله: { لَهُم مَّغْفِرَةٌ } وتنكير لفظ المغفرة يدل على الكمال كما أن التنكير في قوله: { وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ الناس على حياة } [ البقرة: 96 ] يدل على كمال تلك الحياة ، والمعنى: لهم مغفرة تامة كاملة عن جميع الذنوب والتبعات . وثالثها: قوله: { وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } والمراد منه الثواب الرفيع الشريف . والحاصل: أنه تعالى شرح حالهم في الدنيا وفي الآخرة ، أما في الدنيا فقد وصفهم بقوله: { أُوْلئِكَ هُمُ المؤمنون حَقًّا } وأما في الآخرة فالمقصود إما دفع العقاب ، وإما جلب الثواب ، أما دفع العقاب فهو المراد بقوله: { لَهُم مَّغْفِرَةٌ } وأما جلب الثواب فهو المراد بقوله: { وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } وهذه السعادات العالية إنما حصلت لأنهم أعرضوا عن اللذات الجسمانية ، فتركوا الأهل والوطن وبذلوا النفس والمال ، وذلك تنبيه على أنه لا طريق إلى تحصيل السعادات إلا بالإعراض عن هذه الجسمانيات .
القسم الرابع: من مؤمني زمان محمد A هم الذين لم يوافقوا الرسول في الهجرة إلا أنهم بعد ذلك هاجروا إليه ، وهو المراد من قوله تعالى: { والذين ءامَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وجاهدوا مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنكُمْ } وفيه مسائل: