المسألة الأولى: اختلفوا في المراد من قوله تعالى: { مِن بَعْدِ } نقل الواحدي عن ابن عباس: بعد الحديبية وهي الهجرة الثانية ، وقيل بعد نزول هذه الآية ، وقيل: بعد يوم بدر ، والأصح أن المراد والذين هاجروا بعد الهجرة الأولى ، وهؤلاء هم التابعون بإحسان كما قال: { والذين اتبعوهم بِإِحْسَانٍ رَّضِىَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ } [ التوبة: 100 ] .
المسألة الثانية: الأصح أن الهجرة انقطعت بفتح مكة لأن عنده صارت مكة بلد الإسلام وقال الحسن: الهجرة غير منقطعة أبدًا ، وأما قوله عليه السلام: « لا هجرة بعد الفتح » فالمراد الهجرة المخصوصة ، فإنها انقطعت بالفتح وبقوة الإسلام . أما لو اتفق في بعض الأزمان كون المؤمنين في بلد وفى عددهم قلة ، ويحصل للكفار بسبب كونهم معهم شوكة وإن هاجر المسلمون من تلك البلدة وانتقلوا إلى بلدة أخرى ضعفت شوكة الكفار ، فههنا تلزمهم الهجرة على ما قاله الحسن ، لأنه قد حصل فيهم مثل العلة في الهجرة من مكة إلى المدينة .
المسألة الثالثة: قوله: { فَأُوْلَئِكَ مِنكُمْ } يدل على أن مرتبة هؤلاء دون مرتبة المهاجرين السابقين لأنه ألحق هؤلاء بهم وجعلهم منهم في معرض التشريف ، ولولا كون القسم الأول أشرف وإلا لما صح هذا المعنى . فهذا شرح هذه الأقسام الأربعة التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية .
ثم قال تعالى: { وَأُوْلُواْ الارحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كتاب الله } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: الذين قالوا المراد من قوله تعالى: { أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } ولاية الميراث قالوا هذه الآية ناسخة له ، فإنه تعالى بين أن الإرث كان بسبب النصرة والهجرة ، والآن قد صار ذلك منسوخًا فلا يحصل الإرث إلا بسبب القرابة وقوله: { فِى كتاب الله } المراد منه السهام المذكورة في سورة النساء ، وأما الذين فسروا تلك الآية بالنصرة والمحبة والتعظيم قالوا: إن تلك الولاية لما كانت محتملة للولاية بسبب الميراث بين الله تعالى في هذه الآية أن ولاية الإرث إنما تحصل بسبب القرابة ، إلا ما خصه الدليل ، فيكون المقصود من هذا الكلام إزالة هذا الوهم ، وهذا أولى ، لأن تكثير النسخ من غير ضرورة ولا حاجة لا يجوز .
المسألة الثانية: تمسك محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب Bهم في كتابه إلى أبي جعفر المنصور بهذه الآية في أن الإمام بعد رسول الله A هو علي بن أبي طالب فقال: قوله تعالى: { وَأُوْلُواْ الارحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ } يدل على ثبوت الولاية وليس في الآية شيء معين في ثبوت هذه الأولوية ، فوجب حمله على الكل إلا ما خصه الدليل ، وحينئذ يندرج فيه الإمامة ، ولا يجوز أن يقال: إن أبا بكر كان من أولي الأرحام لما نقل أنه عليه السلام أعطاه سورة براءة ليبلغها إلى القوم ، ثم بعث عليًا خلفه وأمر بأن يكون المبلغ هو علي ، وقال: