فإن قالوا: لما كان حصول ذلك الخزي مستلزمًا لحصول هذا النصر ، كان إفراده بالذكر عبثًا فنقول: ليس الأمل كذلك ، لأنه من المحتمل أن يحصل الخزي لهم من جهة المؤمنين ، إلا أن المؤمنين يحصل لهم آفة بسبب آخر فلما قال: { وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ } دل على أنهم ينتفعون بهذا النصر والفتح والظفر . ورابعها: قوله: { وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ } وقد ذكرنا أن خزاعة أسلموا ، فأعانت قريش بني بكر عليهم حتى نكلوا بهم ، فشفى الله صدورهم من بني بكر ، ومن المعلوم أن من طال تأذيه من خصمه ، ثم مكنه الله منه على أحسن الوجوه فإنه يعظم سروره به ، ويصير ذلك سببًا لقوة النفس ، وثبات العزيمة . وخامسها: قوله: { وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ } .
ولقائل أن يقول: قوله: { وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ } معناه أنه يشفي من ألم الغيظ وهذا هو عين إذهاب الغيظ ، فكان قوله: { وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ } تكرار .
والجواب: أنه تعالى وعدهم بحصول هذا الفتح فكانوا في زحمة الانتظار ، كما قيل الانتظار الموت الأحمر ، فشفى صدورهم من زحمة الانتظار ، وعلى هذا الوجه يظهر الفرق بين قوله: { وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ } وبين قوله: { وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ } فهذه هي المنافع الخمسة التي ذكرها الله تعالى في هذا القتال ، وكلها ترجع إلى تسكين الدواعي الناشئة من القوة الغضبية ، وهي التشفي ودرك الثأر وإزالة الغيظ ، ولم يذكر تعالى فيها وجدان الأموال والفوز بالمطاعم والمشارب وذلك لأن العرب قوم جبلوا على الحمية والأنفة ، فرغبهم في هذه المعاني لكونها لائقة بطباعهم ، بقي ههنا مباحث:
البحث الأول: أن هذه الأوصاف مناسبة لفتح مكة ، لأن ذلك جرى في تلك الواقعة مشاكل لهذه الأحوال ، ولهذا المعنى جاز أن يقال: الآية واردة فيه .
البحث الثاني: الآية دالة على المعجزة لأنه تعالى أخبر عن حصول هذه الأحوال ، وقد وقعت موافقة لهذه الأخبار فيكون ذلك إخبارًا عن الغيب ، والإخبار عن الغيب معجز .
البحث الثالث: هذه الآية تدل على كون الصحابة مؤمنين في علم الله تعالى إيمانًا حقيقيًا . لأنها تدل على أن قلوبهم كانت مملوءة من الغضب ، ومن الحمية لأجل الدين ، ومن الرغبة الشديدة في علو دين الإسلام ، وهذه الأحوال لا تحصل إلا في قلوب المؤمنين .