واعلم أن وصف الله لهم بذلك لا ينفي كونهم موصوفين بالرحمة والرأفة ، فإنه تعالى قال في صفتهم { أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين } [ المائدة: 54 ] وقال أيضًا: { أَشِدَّاء عَلَى الكفار رُحَمَاء بَيْنَهُمْ } [ الفتح: 29 ] .
ثم قال: { وَيَتُوبُ الله على مَن يَشَاءُ } قال الفراء والزجاج: هذا مذكور على سبيل الاستئناف ولا يمكن أن يكون جوابًا لقوله: { قاتلوهم } لأن قوله: { وَيَتُوبُ الله على مَن يَشَاءُ } لا يمكن جعله جزاء لمقاتلتهم مع الكفار . قالوا ونظيره: { فَإِن يَشَإِ الله يَخْتِمْ على قَلْبِكَ } [ الشورى: 24 ] وتم الكلام ههنا ، ثم استأنف فقال: { وَيَمْحُ الله الباطل } [ الشورى: 24 ] ومن الناس من قال يمكن جعل هذه التوبة جزاء لتلك المقاتلة ، وبيانه من وجوه: الأول: أنه تعالى لما أمرهم بالمقاتلة ، فربما شق ذلك على بعضهم على ما ذهب إليه الأصم ، فإذا أقدموا على المقاتلة صار ذلك العمل جاريًا مجرى التوبة عن تلك الكراهية . الثاني: أن حصول النصرة والظفر إنعام عظيم ، والعبد إذا شاهد توالي نعم الله لم يبعد أن يصير ذلك داعيًا له إلى التوبة من جميع الذنوب ، الثالث: أنه إذا حصل النصر والظفر والفتح وكثرت الأموال والنعم وكانت لذاته تطلب بالطريق الحرام ، فإن عند حصول المال والجاه يمكن تحصيلها بطريق حلال ، فيصير كثرة المال والجاه داعيًا إلى التوبة من هذه الوجوه . الرابع: قال بعضهم إن النفس شديدة الميل إلى الدنيا ولذاتها ، فإذا انفتحت أبواب الدنيا على الإنسان وأراد الله به خيرًا ، عرف أن لذاتها حقيرة يسيرة ، فحينئذ تصير الدنيا حقيرة في عينه ، فيصير ذلك سببًا لانقباض النفس عن الدنيا ، وهذا هو أحد الوجوه المذكورة في تفسير قوله تعالى حكاية عن سليمان عليه السلام: { هَبْ لِى مُلْكًا لاَّ يَنبَغِى لاِحَدٍ مّن بَعْدِى } [ ص: 35 ] . يعني أن بعد حصول هذا الملك لا يبقى للنفس اشتغال بطلب الدنيا ، ثم يعرف أن عند حصول هذا الملك الذي هو أعظم الممالك لا حاصل للدنيا ولا فائدة في لذاتها وشهواتها ، فحينئذ يعرض القلب عن الدنيا ولا يقيم لها وزنًا ، فثبت أن حصول المقاتلة يفضي إلى المنافع الخمسة المذكورة وتلك المنافع حصولها يوجب التوبة ، فكانت التوبة متعلقة بتلك المقاتلة ، وإنما قال: { على مَن يَشَاءُ } لأن وجدان الدنيا وانفتاح أبوابها على الإنسان قد يصير سببًا لانقباض القلب عن الدنيا وذلك في حق من أراد به الخير ، وقد يصير سببًا لاستغراق الإنسان فيها وتهالكه عليها وانقطاعه بسببها عن سبيل الله ، فلما اختلف الأمر على الوجه الذي ذكرناه قال: { وَيَتُوبُ الله على مَن يَشَاء } .
ثم قال: { والله عَلِيمٌ } أي بكل ما يعمل ويفعل في ملكه وملكوته { حَكِيمٌ } مصيب في أحكامه وأفعاله .