فهرس الكتاب

الصفحة 3492 من 8321

المسألة الخامسة: قال الشافعي رضي الله تعالى عنه: الكفار يمنعون من المسجد الحرام خاصة ، وعند مالك: يمنعون من كل المساجد ، وعند أبي حنيفة C: لا يمنعون من المسجد الحرام ولا من سائر المساجد ، والآية بمنطوقها تبطل قول أبي حنيفة C ، وبمفهومها تبطل قول مالك ، أو نقول الأصل عدم المنع ، وخالفناه في المسجد الحرام لهذا النص الصريح القاطع ، فوجب أن يبقى في غيره على وفق الأصل .

المسألة السادسة: اختلفوا في أن المراد من المسجد الحرام هل هو نفس المسجد أو المراد منه جميع الحرم؟ والأقرب هو هذا الثاني . والدليل عليه قوله تعالى: { وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِن فَضْلِهِ } وذلك لأن موضع التجارات ليس هو عين المسجد ، فلو كان المقصود من هذه الآية المنع من المسجد خاصة لما خافوا بسبب هذا المنع من العيلة ، وإنما يخافون العيلة إذا منعوا من حضور الأسواق والمواسم ، وهذا استدلال حسن من الآية ، ويتأكد هذا القول بقوله سبحانه وتعالى: { سُبْحَانَ الذى أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مّنَ المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى } [ الإسراء: 1 ] مع أنهم أجمعوا على أنه إنما رفع الرسول E من بيت أم هانىء وأيضًا يتأكد هذا بما روي عن الرسول A أنه قال: « لا يجتمع دينان في جزيرة العرب »

واعلم أن أصحابنا قالوا: الحرم حرام على المشركين ولو كان الإمام بمكة ، فجاء رسول المشركين فليخرج إلى الحل لاستماع الرسالة ، وإن دخل مشرك الحرم متواريًا فمرض فيه أخرجناه مريضًا ، وإن مات ودفن ولم يعلم نبشناه وأخرجنا عظامه إذا أمكن .

المسألة السابعة: لا شبهة في أن المراد بقوله: { بَعْدَ عَامِهِمْ هذا } السنة التي حصل فيها النداء بالبراءة من المشركين ، وهي السنة التاسعة من الهجرة .

ثم قال تعالى: { وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً } والعيلة الفقر . يقال: عال الرجل يعيل عيلة إذا افتقر ، والمعنى: إن خفتم فقرًا بسبب منع الكفار فسوف يغنيكم الله من فضله وفيه مسألتان:

المسألة الأولى: ذكروا في تفسير هذا الفضل وجوهًا: الأول: قال مقاتل: أسلم أهل جدة وصنعاء وحنين ، وحملوا الطعام إلى مكة وكفاهم الله الحاجة إلى مبايعة الكفار . والثاني: قال الحسن: جعل الله ما يوجد من الجزية بدلًا من ذلك . وقيل: أغناهم بالفيء . الثالث: قال عكرمة: أنزل الله عليهم المطر ، وكثر خيرهم .

المسألة الثانية: قوله: { فُسُوف يُغْنِيكُمُ الله مِن فَضْلِهِ } إخبار عن غيب في المستقبل على سبيل الجزم في حادثة عظيمة ، وقد وقع الأمر مطابقًا لذلك الخبر فكان معجزة .

ثم قال تعالى: { إِن شَآءَ } ولسائل أن يسأل فيقول: الغرض بهذا الخبر إزالة الخوف بالعيلة ، وهذا الشرط يمنع من إفادة هذا المقصود ، وجوابه من وجوه الأول: أن لا يحصل الاعتماد على حصول هذا المطلوب ، فيكون الإنسان أبدًا متضرعًا إلى الله تعالى في طلب الخيرات ودفع الآفات . الثاني: أن المقصود من ذكر هذا الشرط تعليم رعاية الأدب ، كما في قوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت