الصفة الرابعة: قوله: { وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحق مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب } يقال: فلان يدين بكذا ، إذا اتخذه دينًا فهو معتقده ، فقوله: { وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحق } أي لا يعتقدون في صحة دين الإسلام الذي هو الدين الحق ، ولما ذكر تعالى هذه الصفات الأربعة قال: { مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب } فبين بهذا أن المراد من الموصوفين بهذه الصفات الأربعة من كان من أهل الكتاب ، والمقصود تمييزهم من المشركين في الحكم ، لأن الواجب في المشركين القتال أو الإسلام ، والواجب في أهل الكتاب القتال أو الإسلام أو الجزية .
ثم قال تعالى: { حتى يُعْطُواْ الجزية عَن يَدٍ وَهُمْ صاغرون } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: قال الواحدي: الجزية هي ما يعطي المعاهد على عهده ، وهي فعلة من جزى يجزى إذا قضى ما عليه ، واختلفوا في قوله: { عَن يَدٍ } قال صاحب «الكشاف» قوله: { عَن يَدٍ } إما أن يراد به يد المعطي أو يد الآخذ ، فإن كان المراد به المعطي ، ففيه وجهان: أحدهما: أن يكون المراد { عَن يَدٍ } مؤاتية غير ممتنعة ، لأن من أبى وامتنع لم يعط يده بخلاف المطيع المنقاد ، ولذلك يقال: أعطى يده إذا انقاد وأطاع ، ألا ترى إلى قولهم نزع يده عن الطاعة ، كما يقال: خلع ربقة الطاعة من عنقه . وثانيهما: أن يكون المراد حتى يعطوها عن يد إلى يد نقدًا غير نسيئة ولا مبعوثًا على يد أحد ، بل على يد المعطي إلى يد الآخذ . وأما إذا كان المراد يد الآخذ ففيه أيضًا وجهان: الأول: أن يكون المراد حتى يعطوا الجزية عن يد قاهرة مستولية للمسلمين عليهم كما تقول: اليد في هذا لفلان . وثانيهما: أن يكون المراد عن إنعام عليهم ، لأن قبول الجزية منهم وترك أرواحهم عليهم نعمة عظيمة .
وأما قوله: { وَهُمْ صاغرون } فالمعنى أن الجزية تؤخذ منهم على الصغار والذل والهوان بأن يأتي بها بنفسه ماشيًا غير راكب ، ويسلمها وهو قائم والمتسلم جالس . ويؤخذ بلحيته ، فيقال له: أد الجزية وإن كان يؤديها ويزج في قفاه ، فهذا معنى الصغار . وقيل: معنى الصغار ههنا هو نفس إعطاء الجزية ، وللفقهاء أحكام كثيرة من توابع الذل والصغار مذكورة في كتب الفقه .
المسألة الثانية: في شيء من أحكام هذه الآية .
الحكم الأول
استدللت بهذه الآية على أن المسلم لا يقتل بالذمي والوجه في تقريره أن قوله: { قاتلوهم } يقتضي إيجاب مقاتلتهم ، وذلك مشتمل على إباحة قتلهم وعلى عدم وجوب القصاص بسبب قتلهم ، فلما قال: { حتى يُعْطُواْ الجزية عَن يَدٍ وَهُمْ صاغرون } علمنا أن مجموع هذه الأحكام قد انتهت عند إعطاء الجزية ، ويكفي في انتهاء المجموع ارتفاع أحد أجزائه ، فإذا ارتفع وجوب قتله وإباحة دمه ، فقد ارتفع ذلك المجموع ، ولا حاجة في ارتفاع المجموع إلى ارتفاع جميع أجزاء المجموع .