واعلم أن الروافض احتجوا بهذه الآية وبهذه الواقعة على الطعن في أبي بكر من وجوه ضعيفة حقيرة جارية مجرى إخفاء الشمس بكف من الطين: فالأول: قالوا إنه E قال لأبي بكر: « لا تحزن » فذلك الحزن إن كان حقًا فكيف نهى الرسول E عنه؟ وإن كان خطأ ، لزم أن يكون أبو بكر مذنبًا وعاصيًا في ذلك الحزن ، والثاني: قالوا يحتمل أن يقال: إنه استخلصه لنفسه لأنه كان يخاف منه أنه لو تركه في مكة أن يدل الكفار عليه ، وأن يوقفهم على أسراره ومعانيه ، فأخذه مع نفسه دفعًا لهذا الشر . والثالث: وإن دلت هذه الحالة على فضل أبي بكر إلا أنه أمر عليًا بأن يضطجع على فراشه ، ومعلوم أن الاضطجاع على فراش رسول الله A في مثل تلك الليلة الظلماء مع كون الكفار قاصدين قتل رسول الله تعريض النفس للفداء ، فهذا العمل من علي ، أعلى وأعظم من كون أبي بكر صاحبًا للرسول ، فهذه جملة ما ذكروه في ذلك الباب .
والجواب عن الأول: أن أبا علي الجبائي لما حكى عنهم تلك الشبهة ، قال: فيقال لهم يجب في قوله تعالى لموسى عليه السلام: { لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الأعلى } [ طه: 68 ] أن يدل على أنه كان عاصيًا في خوفه ، وذلك طعن في الأنبياء ، ويجب في قوله تعالى في إبراهيم ، حيث قالت الملائكة له: { لاَ تَخَفْ } [ هود: 69 ] في قصة العجل المشوي مثل ذلك ، وفي قولهم للوط: { لاَ تَخَفْ وَلاَ تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ } [ العنكبوت: 33 ] مثل ذلك .
فإذا قالوا: إن ذلك الخوف إنما حصل بمقتضى البشرية ، وإنما ذكر الله تعالى ذلك في قوله: { لاَ تَخَفْ } ليفيد الأمن ، وفراغ القلب .
قلنا لهم في هذه المسألة كذلك .
فإن قالوا: أليس إنه تعالى قال: { والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس } [ المائدة: 67 ] فكيف خاف مع سماع هذه الآية؟ فنقول: هذه الآية إنما نزلت في المدينة ، وهذه الواقعة سابقة على نزولها ، وأيضًا فهب أنه كان آمنًا على عدم القتل ، ولكنه ما كان آمنًا من الضرب ، والجرح والإيلام الشديد والعجب منهم ، فإنا لو قدرنا أن أبا بكر ما كان خائفًا ، لقالوا إنه فرح بسبب وقوع الرسول في البلاء ، ولما خاف وبكى قالوا: هذا السؤال الركيك ، وذلك يدل على أنهم لا يطلبون الحق ، وإنما مقصودهم محض الطعن!