فهرس الكتاب

الصفحة 3533 من 8321

والجواب عن الثاني: أن الذي قالوه أخس من شبهات السوفسطائية ، فإن أبا بكر لو كان قاصدًا له ، لصاح بالكفار عند وصولهم إلى باب الغار ، وقال لهم نحن ههنا ، ولقال ابنه وابنته عبد الرحمن وأسماء للكفار نحن نعرف مكان محمد فندلكم عليه ، فنسأل الله العصمة من عصبية تحمل الإنسان على مثل هذا الكلام الركيك .

والجواب عن الثالث من وجوه: الأول: أنا لا ننكر أن اضطجاع علي بن أبي طالب في تلك الليلة المظلمة على فراش رسول الله طاعة عظيمة ومنصب رفيع ، إلا أنا ندعي أن أبا بكر بمصاحبته كان حاضرًا في خدمة الرسول A ، وعلي كان غائبًا ، والحاضر أعلى حالًا من الغائب . الثاني: أن عليًا ما تحمل المحنة إلا في تلك الليلة ، أما بعدها لما عرفوا أن محمدًا غاب تركوه ، ولم يتعرضوا له . أما أبو بكر ، فإنه بسبب كونه مع محمد E ثلاثة أيام في الغار كان في أشد أسباب المحنة ، فكان بلاؤه أشد . الثالث: أن أبا بكر Bه كان مشهورًا فيما بين الناس بأنه يرغب الناس في دين محمد E ويدعوهم إليه ، وشاهدوا منه أنه دعا جمعًا من أكابر الصحابة Bهم إلى ذلك الدين ، وأنهم إنما قبلوا ذلك الدين بسبب دعوته ، وكان يخاصم الكفار بقدر الإمكان ، وكان يذب عن الرسول A بالنفس والمال وأما علي بن أبي طالب Bه ، فإنه كان في ذلك الوقت صغير السن ، وما ظهر منه دعوة لا بالدليل والحجة ، ولا جهاد بالسيف والسنان ، لأن محاربته مع الكفار إنما ظهرت بعد انتقالهم إلى المدينة بمدة مديدة ، فحال الهجرة ما ظهر منه شيء من هذه الأحوال ، وإذا كان كذلك كان غضب الكفار على أبي بكر لا محالة أشد من غضبهم على علي ، ولهذا السبب ، فإنهم لما عرفوا أن المضطجع على ذلك الفراش هو علي لم يتعرضوا له ألبتة ، ولم يقصدوه بضرب ولا ألم ، فعلمنا أن خوف أبي بكر على نفسه في خدمة محمد A أشد من خوف علي كرم الله وجهه ، فكانت تلك الدرجة أفضل وأكمل . هذا ما نقوله في هذا الباب على سبيل الاختصار .

أما قوله تعالى: { وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا } فاعلم أن تقدير الآية أن يقال: { إِلاَّ تَنصُرُوهُ } فلا بد له ذلك بدليل صورتين .

الصورة الأولى: أنه قد نصره في واقعة الهجرة { إِذْ أَخْرَجَهُ الذين كَفَرُواْ ثَانِيَ اثنين إِذْ هُمَا فِى الغار إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت