فهرس الكتاب

الصفحة 354 من 8321

{ وَلَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ } [ الأنفال: 23 ] فلو أفادت كلمة لو انتفاء الشيء لا انتفاء غيره للزم التناقض لأن قوله: { وَلَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ خَيْرًا لاسْمَعَهُمْ } يقتضي أنه ما علم فيهم خيرًا وما أسمعهم وقوله: { وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ } يفيد أنه تعالى ما أسمعهم وأنهم ما تولوا ولكن عدم التولي خير فلزم أن يكون قد علم فيهم خيرًا ، وما علم فيهم خيرًا وأما الخبر فقوله عليه السلام:"نعم الرجل صهيب لو لم يخف الله لم يعصه"فعلى مقتضى قولهم يلزم أنه خاف الله وعصاه وذلك متناقض ، فقد علمنا أن كلمة «لو» لا تفيد إلا الربط والله أعلم .

وأما قوله: { إِنَّ الله على كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ } ففيه مسائل:

المسألة الأولى: منهم من استدل به على أن المعدوم شيء ، قال: لأنه تعالى أثبت القدرة على الشيء ، والموجود لا قدرة عليه لاستحالة إيجاد الموجود ، فالذي عليه القدرة معدوم وهو شيء فالمعدوم شيء . والجواب: لو صح هذا الكلام لزم أن ما لا يقدر الله عليه لا يكون شيئًا ، فالموجود لما لم يقدر الله عليه وجب أن لا يكون شيئًا .

المسألة الثانية: احتج جهم بهذه الآية على أنه تعالى ليس بشيء ، قال لأنها تدل على أن كل شيء مقدور لله والله تعالى ليس بمقدور له ، فوجب أن لا يكون شيئًا ، واحتج أيضًا على ذلك بقوله تعالى: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء } [ الشورى: 11 ] قال لو كان هو تعالى شيئًا لكان تعالى مثل نفسه فكان يكذب قوله: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء } فوجب أن لا يكون شيئًا حتى لا تتناقض هذه الآية ، واعلم أن هذا الخلاف في الاسم ، لأنه لا واسطة بين الموجود والمعدوم ، واحتج أصحابنا بوجهين: الأول: قوله تعالى: { قُلْ أَىُّ شَىْء أَكْبَرُ شهادة قُلِ الله } [ الأنعام: 19 ] والثاني: قوله تعالى: { كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ } [ القصص: 88 ] والمستثنى داخل في المستثنى منه فيجب أن يكون شيئًا .

المسألة الثالثة: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن مقدور العبد مقدور لله تعالى خلافًا لأبي علي وأبي هاشم ، وجه الاستدلال أن مقدور العبد شيء ، وكل شيء مقدور لله تعالى بهذه الآية فيلزم أن يكون مقدور العبد مقدورًا لله تعالى .

المسألة الرابعة: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن المحدث حال حدوثه مقدور لله خلافًا للمعتزلة ، فإنهم يقولون: الاستطاعة قبل الفعل محال ، فالشيء إنما يكون مقدورًا قبل حدوثه ، وبيان استدلال الأصحاب أن المحدث حال وجوده شيء ، وكل شيء مقدور ، وهذا الدليل يقتضي كون الباقي مقدورًا ترك العمل به فبقي معمولًا به في محل النزاع ، لأنه حال البقاء مقدوره ، على معنى أنه تعالى قادر على إعدامه ، أما حال الحدوث ، فيستحيل أن يقدر الله على إعدامه لاستحالة أن يصير معدومًا في أول زمان وجوده ، فلم يبق إلا أن يكون قادرًا على إيجاده .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت