فهرس الكتاب

الصفحة 3543 من 8321

فإن قيل: إن خروجهم مع الرسول إما أن يقال إنه كان مفسدة وإما أن يقال إنه كان مصلحة .

فإن قلنا: إنه كان مفسدة ، فلم عاتب الرسول في إذنه إياهم في القعود؟ وإن قلنا: إنه كان مصلحة ، فلم قال إنه تعالى كره انبعاثهم وخروجهم؟

والجواب الصحيح: أن خروجهم مع الرسول ما كان مصلحة ، بدليل أنه تعالى صرح بعد هذه الآية وشرح تلك المفاسد وهو قوله: { لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالًا } [ التوبة: 47 ] بقي أن يقال فلما كان الأصوب الأصلح أن لا يخرجوا ، فلم عاتب الرسول في الإذن؟ فنقول: قد حكينا عن أبي مسلم أنه قال: ليس في قوله { لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ } [ التوبة: 43 ] أنه E كان قد أذن لهم في القعود ، بل يحتمل أن يقال إنهم استأذنوه في الخروج معه فأذن لهم ، وعلى هذا التقدير فإنه يسقط السؤال ، قال أبو مسلم والدليل على صحة ما قلنا إن هذه الآية دلت على أن خروجهم معه كان مفسدة ، فوجب حمل ذلك العتاب على أنه E أذن لهم في الخروج معه ، وتأكد ذلك بسائر الآيات ، منها قوله تعالى: { فَإِن رَّجَعَكَ الله إلى طَائِفَةٍ مّنْهُمْ فاستأذنوك لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا } [ التوبة: 83 ] ومنها قوله تعالى: { سَيَقُولُ المخلفون إِذَا انطلقتم } [ الفتح: 15 ] إلى قوله: { قُل لَّن تَتَّبِعُونَا } [ الفتح: 15 ] فهذا دفع هذا السؤال على طريقة أبي مسلم .

والوجه الثاني: من الجواب أن نسلم أن العتاب في قوله: { لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ } إنما توجه لأنه E أذن لهم في القعود ، فنقول: ذلك العتاب ما كان لأجل أن ذلك القعود كان مفسدة ، بل لأجل أن إذنه E بذلك القعود كان مفسدة وبيانه من وجوه: الأول: أنه E أذن قبل إتمام التفحص وإكمال التأمل والتدبر ، ولهذا السبب قال تعالى: { لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حتى يَتَبَيَّنَ لَكَ الذين صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الكاذبين } والثاني: أن بتقدير أنه E ما كان يأذن لهم في القعود؛ فهم كانوا يقعدون من تلقاء أنفسهم ، وكان يصير ذلك القعود علامة على نفاقهم ، وإذا ظهر نفاقهم احترز المسلمون منهم ولم يغتروا بقولهم ، فلما أذن الرسول في القعود بقي نفاقهم مخفيًا وفاتت تلك المصالح . والثالث: أنهم لما استأذنوا رسول الله A غضب عليهم وقال: { اقعدوا مَعَ القاعدين } على سبيل الزجر كما حكاه الله في آخر هذه الآية وهو قوله: { وَقِيلَ اقعدوا مَعَ القاعدين } ثم إنهم اغتنموا هذه اللفظة وقالوا: قد أذن لنا فقال تعالى: { لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ } أي لم ذكرت عندهم هذا اللفظ الذي أمكنهم أن يتوسلوا به إلى تحصيل غرضهم؟ الرابع: أن الذين يقولون الاجتهاد غير جائز على الأنبياء عليهم السلام قالوا: إنه إنما أذن بمقتضى الاجتهاد ، وذلك غير جائز ، لأنهم لما تمكنوا من الوحي وكان الإقدام على الاجتهاد مع التمكن من الوحي جاريًا مجرى الإقدام على الاجتهاد مع حصول النص ، فكما أن هذا غير جائز فكذا ذاك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت