المرتبة الأولى: الرضا بما آتاهم الله ورسوله لعلمه بأنه تعالى حكيم منزه عن العبث والخطأ ، وحكيم بمعنى أنه عليم بعواقب الأمور ، وكل ما كان حكمًا له وقضاء كان حقًا وصوابًا ولااعتراض عليه .
والمرتبة الثانية: أن يظهر آثار ذلك الرضا على لسانهم ، وهو قوله: { وَقَالُواْ حَسْبُنَا الله } يعني أن غيرنا أخذوا المال ونحن لما رضينا بحكم الله وقضائه فقد فزنا بهذه المرتبة العظيمة في العبودية ، فحسبنا الله .
والمرتبة الثالثة: وهي أن الإنسان إذا لم يبلغ إلى تلك الدرجة العالية التي عندها يقول: { حَسْبُنَا الله } نزل منها إلى مرتبة أخرى وهي أن يقول: { سَيُؤْتِينَا الله مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ } إما في الدنيا إن اقتضاه التقدير ، وإما في الآخرة وهي أولى وأفضل .
والمرتبة الرابعة: أن يقول: { إِنَّا إِلَى الله راغبون } فنحن لا نطلب من الإيمان والطاعة أخذ الأموال والفوز بالمناصب في الدنيا ، وإنما المراد إما اكتساب سعادات الآخرة . وإما الاستغراق في العبودية على ما دل لفظ الآية عليه فإنه قال: { إِنَّا إِلَى الله راغبون } ولم يقل: إنا إلى ثواب الله راغبون . ونقل أن عيسى عليه السلام مر بقوم يذكرون الله تعالى فقال: ما الذي يحملكم عليه؟ قالوا: الخوف من عقاب الله ، فقال: أصبتم ثم مر على قوم آخرين يذكرون الله ، فقال: ما الذي يحملكم عليه ، فقالوا: الرغبة في الثواب ، فقال: أصبتم ، ثم مر على قوم ثالث مشتغلين بالذكر فسألهم فقالوا: لا نذكره للخوف من العقاب ، ولا للرغبة في الثواب ، بل لإظهار ذلة العبودية ، وعزة الربوبية وتشريف القلب بمعرفته ، وتشريف اللسان بالألفاظ الدالة على صفات قدسه وعزته . فقال: أنتم المحقون المحققون .