{ وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأرض إِلاَّ عَلَى الله رِزْقُهَا } [ هود: 6 ] والأغنياء خزان الله لأن الأموال التي في أيديهم أموال الله ، ولولا أن الله تعالى ألقاها في أيديهم وإلا لما ملكوا منها حبة ، فكم من عاقل ذكي يسعى أشد السعي ، ولا يملك ملء بطنه طعامًا ، وكم من أبله جلف تأتيه الدنيا عفوًا صفوًا .
إذا ثبت هذا فليس بمستبعد أن يقول الملك لخازنه: اصرف طائفة مما في تلك الخزانة إلى المحتاجين من عبيدي .
الوجه الرابع: أن يقال: المال بالكلية في يد الغني مع أنه غير محتاج إليه ، وإهمال جانب الفقير العاجز عن الكسب بالكلية؛ لا يليق بحكمة الحكيم الرحيم ، فوجب أن يجب على الغني صرف طائفة من ذلك المال إلى الفقير .
الوجه الخامس: أن الشرع لما أبقى في يد المالك أكثر ذلك المال وصرف إلى الفقير منه جزأ قليلًا ، تمكن المالك من جبر ذلك النقصان بسبب أن يتجر بما بقي في يده من ذلك المال ويربح ويزول ذلك النقصان . أما الفقير ليس له شيء أصلًا ، فلو لم يصرف إليه طائفة من أموال الأغنياء لبقي معطلًا وليس له ما يجبره ، فكان ذلك أولى .
الوجه السادس: أن الأغنياء لو لم يقوموا بإصلاح مهمات الفقراء فربما حملهم شدة الحاجة ومضرة المسكنة على الالتحاق بأعداء المسلمين ، أو على الإقدام على الأفعال المنكرة كالسرقة وغيرها فكان إيجاب الزكاة يفيد هذه الفائدة فوجب القول بوجوبها .
الوجه السابع: قال E: « الإيمان نصفان ، نصف صبر ونصف شكر » والمال محبوب بالطبع ، فوجدانه يوجب الشكر وفقدانه يوجب الصبر ، وكأنه قيل: أيها الغني أعطيتك المال فشكرت فصرت من الشاكرين ، فأخرج من يدك نصيبًا منه حتى تصبر على فقدان ذلك المقدار فتصير بسببه من الصابرين ، وأيها الفقير ما أعطيتك الأموال الكثيرة فصبرت فصرت من الصابرين ، ولكني أوجب على الغني أن يصرف إليك طائفة من ذلك المال حتى إذا دخل ذلك المقدار في ملكك شكرتني ، فصرت من الشاكرين ، فكان إيجاب الزكاة سببًا في جعل جميع المكلفين موصوفين بصفة الصبر والشكر معًا .