الوجه الثامن: كأنه سبحانه يقول للفقير إن كنت قد منعتك الأموال الكثيرة ، ولكني جعلت نفسي مديونًا من قبلك ، وإن كنت قد أعطيت الغني أموالًا كثيرة لكني كلفته أن يعدوا خلفك ، وأن يتضرع إليك حتى تأخذ ذلك القدر منه ، فتكون كالمنعم عليه بأن خلصته من النار .
فإن قال الغني: قد أنعمت عليك بهذا الدينار ، فقل أيها الفقير بل أنا المنعم عليك حيث خلصتك في الدنيا من الذم والعار ، وفي الآخرة من عذاب النار ، فهذه جملة من الوجوه في حكمة إيجاب الزكاة بعضها يقينية ، وبعضها إقناعية ، والعالم بأسرار حكم الله وحكمته ليس إلا الله ، والله أعلم .
المقام الثاني: في تفسير هذه الآية وفيه مسائل:
المسألة الأولى: قوله: { إِنَّمَا الصدقات لِلْفُقَرَاء } الآية تدل على أنه لا حق في الصدقات لأحد إلا لهذه الأصناف الثمانية ، وذلك مجمع عليه ، وأيضًا فلفظة { إِنَّمَا } تفيد الحصر ويدل عليه وجوه: الأول: أن كلمة { إِنَّمَا } مركبة من «إن» و «ما» وكلمة إن للإثبات وكلمة ما للنفي ، فعند اجتماعهما وجب بقاؤهما على هذا المفهوم ، فوجب أن يفيدا ثبوت المذكور ، وعدم ما يغايره . الثاني: أن ابن عباس تمسك في نفي ربا الفضل بقوله E:"إنما الربا في النسيئة"ولولا أن هذا اللفظ يفيد الحصر ، وإلا لما كان الأمر كذلك ، وأيضًا تمسك بعض الصحابة في أن الإكسال لا يوجب الاغتسال بقوله E:"إنما الماء من الماء"ولولا أن هذه الكلمة تفيد الحصر وإلا لما كان كذلك . وقال تعالى: { إِنَّمَا الله إله واحد } [ النساء: 171 ] والمقصود بيان نفي الإلهية للغير والثالث: الشعر . قال الأعشى:
ولست بالأكثر منهم حصى ... وإنما العزة للكاثر
وقال الفرزدق:
أنا الذائد الحامي الذمار وإنما ... يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي
فثبت بهذه الوجوه أن كلمة { إِنَّمَا } للحصر ، ومما يدل على أن الصدقات لا تصرف إلا لهذه الأصناف الثمانية أنه E قال لرجل:"إن كنت من الأصناف الثمانية فلك فيها حق وإلا فهو صداع في الرأس ، وداء في البطن"وقال:"لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي"
المسألة الثانية: اعلم أنه تعالى لما أخبر عن المنافقين أنهم يلمزون الرسول عليه السلام في أخذ الصدقات ، بين تعالى أنه إنما يأخذها لهؤلاء الأصناف الثمانية ، ولا يأخذها لنفسه ولا لأقاربه ومتصليه ، وقد بينا أن أخذ القليل من مال الغني ليصرف إلى الفقير في دفع حاجته هو الحكمة المعينة ، والمصلحة اللازمة ، وإذا كان الأمر كذلك كان همز المنافقين ولمزهم عين السفه والجهالة . فكان E يقول:"ما أوتيكم شيئًا ولا أمنعكم ، إنما أنا خازن أضع حيث أمرت"