فهرس الكتاب

الصفحة 3573 من 8321

{ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ } [ البلد: 16 ] وصف المسكين بكونه ذا متربة ، وذلك يدل على نهاية الضر والشدة ، وأيضًا أنه تعالى جعل الكفارات من الأطعمة له ، ولا فاقة أعظم من الحاجة إلى إزالة الجوع . الثاني: احتجوا بقول الراعي:

أما الفقير الذي كانت حلوبته ... وفق العيال فلم يترك له سَبَدُ

سماه فقيرًا وله حلوبة . الثالث: قالوا المسكين هو الذي يسكن حيث يحضر لأجل أنه ليس له بيت يسكن فيه وذلك يدل على نهاية الضر والبؤس . الرابع: نقلوا عن الأصمعي وعن أبي عمرو بن العلاء أنهما قالا: الفقير الذي له ما يأكل . والمسكين الذي لا شيء له ، وقال يونس: الفقير قد يكون له بعض ما يكفيه والمسكين هو الذي لا شيء له ، وقلت لأعرابي أفقير أنت؟ قال: لا والله بل مسكين .

والجواب: عن تمسكهم بالآية أنا بينا أن هذه الآية حجة لنا ، فإنه لما قيد المسكين المذكور ههنا بكونه ذا متربة دل ذلك على أنه قد يوجد مسكين لا بهذه الصفة وإلا لم يبق لهذا القيد فائدة قوله: أنه صرف الطعام الواجب في الكفارات إليه ، قلنا: نعم إنه أوجب صرفه إلى المسكين المقيد بقيد كونه ذا متربة ، وهذا لا يدل على أنه أوجب الصرف إلى مطلق المسكين .

والجواب عن استدلالهم ببيت الراعي أنه ذكر أن هذا الذي هو الآن موصوف بكونه فقيرًا فقد كانت له حلوبه ثم السيد لم يترك له شيئًا ، فلم لا يجوز أن يقال كانت له حلوبة ثم لما لم يترك له شيء وصف بكونه فقيرًا؟

والجواب عن قولهم: المسكين هو الذي يسكن حيث يحضر لأجل أنه ليس له بيت .

قلنا: بل المسكين هو الطواف على الناس الذي يكثر إقدامه على السؤال ، وسمي مسكينًا إما لسكونه عندما ينتهرونه ويردونه ، وإما لسكون قلبه بسبب علمه أن الناس لا يضيعونه مع كثرة سؤاله إياهم ، وأما الروايات التي ذكروها عن أبي عمرو ويونس فهذا معارض بقول الشافعي وابن الأنباري رحمهما الله ، وأيضًا نقل القفال في «تفسيره» عن جابر بن عبد الله أنه قال: الفقراء فقراء المهاجرين ، والمساكين الذين لم يهاجروا ، وعن الحسن الفقير الجالس في بيته ، والمسكين الذي يسعى وعن مجاهد الفقير الذي لا يسأل ، والمسكين الذي يسأل ، وعن الزهري الفقراء هم المتعففون الذين لا يخرجون ، والمساكين الذين يسألون ، قال مولانا الداعي إلى الله: هذه الأقوال كلها متوافقة على أن الفقير لا يسأل ، والمسكين يسأل ، ومن سأل وجد ، فكان المسكين أسهل وأقل حاجة .

الصنف الثالث: قوله تعالى: { والعاملين عَلَيْهَا } وهم السعاة لجباية الصدقة ، وهؤلاء يعطون من الصدقات بقدر أجور أعمالهم ، وهو قول الشافعي C ، وقول عبد الله بن عمر وابن زيد ، وقال مجاهد والضحاك: يعطون الثمن من الصدقات ، وظاهر اللفظ مع مجاهد إلا أن الشافعي C يقول هذا أجرة العمل فيتقدر بقدر العمل ، والصحيح أن مولى الهاشمي والمطلبي لا يجوز أن يكون عاملًا على الصدقات ليناله منها ، لأن رسول الله A أبى أن يبعث أبا رافع عاملًا على الصدقات ، وقال: أما علمت أن مولى القوم منهم . وإنما قال: { والعاملين عَلَيْهَا } لأن كلمة على تفيد الولاية كما يقال فلان على بلد كذا إذا كان واليًا عليه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت