فهرس الكتاب

الصفحة 3572 من 8321

وجه الاستدلال: أن شدة فقر أهل الصفة معلومة بالتواتر ، فلما فسر ابن عباس الفقراء بهم وفسر المساكين بالطوافين ، ثم ثبت أن أحوال المحتاج الذي لا يسأل أحدًا شيئًا أشد من أحوال من يحتاج ، ثم يسأل الناس ويطوف عليهم ، ظهر أن الفقير يجب أن يكون أسوأ حالًا من المسكين .

الوجه السابع: أن المسكنة لفظ مأخوذ من السكون ، فالفقير إذا سأل الناس وتضرع إليهم وعلم أنه متى تضرع إليهم أعطوه شيئًا فقد سكن قلبه ، وزال عنه الخوف والقلق ، ويحتمل أنه سمي بهذا الاسم؛ لأنه إذا أجيب بالرد ومنع سكن ولم يضطرب وأعاد السؤال ، فلهذا السبب جعل التمسكن كناية عن السؤال والتضرع عند الغير ، ويقال: تمسكن الرجل إذا لان وتواضع ، ومنه قوله E للمصلي: « تأن وتمسكن » يريد تواضع وتخشع ، فدل هذا على أن المسكين هو السائل .

إذا ثبت هذا فنقول: إنه تعالى قال في آية أخرى: { وَفِى أموالهم حَقٌّ لَّلسَّائِلِ والمحروم } [ الذاريات: 19 ] فلما ثبت بما ذكرنا ههنا أن المسكين هو السائل ، وجب أن يكون المحروم هو الفقير ، ولا شك أن المحروم مبالغة في تقرير أمر الحرمان ، فثبت أن الفقير أسوأ حالًا من المسكين .

الوجه الثامن: أنه E قال: « أحيني مسكينًا » الحديث ، والظاهر أنه تعالى أجاب دعاءه فأماته مسكينًا ، وهو E حين توفي كان يملك أشياء كثيرة فدل هذا على أن كونه مسكينًا لا ينافي كونه مالكًا لبعض الأشياء ، أما الفقير فإنه يدل على الحاجة الشديدة لقوله E: « كاد الفقر أن يكون كفرًا » فثبت بهذا أن الفقر أشد حالًا من المسكنة .

الوجه التاسع: أن الناس اتفقوا على أن الفقر والغنى ضدان ، كما أن السواد والبياض ضدان ولم يقل أحد إن الغنى والمسكنة ضدان بل قالوا: الترفع والتمسكن ضدان؛ فمن كان منقادًا لكل أحد خائفًا منهم متحملًا لشرهم ساكتًا عن جوابهم متضرعًا إليهم . قالوا: إن فلانًا يظهر الذل والمسكنة ، وقالوا: إنه مسكين عاجز ، وأما الفقير فجعلوه عبارة عن ضد الغنى ، وعلى هذا فقد يصفون الرجل الغني بكونه مسكينًا ، إذا كان يظهر من نفسه الخضوع والطاعة وترك المعارضة ، وقد يصفون الرجل الفقير بكونه مترفعًا عن التواضع والمسكنة ، فثبت أن الفقر عبارة عن عدم المال والمسكنة عبارة عن إظهار التواضع ، والأول ينافي حصول المال ، والثاني لا ينافي حصوله .

الوجه العاشر: قوله E لمعاذ في الزكاة: « خذها من أغنيائهم ، وردها على فقرائهم » ولو كانت الحاجة في المساكين أشد ، لوجب أن يقول: وردها على مساكينهم ، لأن ذكر الأهم أولى ، فهذه الوجوه التي ذكرناها تدل على أن الفقير أسوأ حالًا من المسكين ، واحتج القائلون بأن المسكين أسوأ حالًا من الفقير بوجوه: الأول: احتجوا بقوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت