فهرس الكتاب

الصفحة 3571 من 8321

الوجه الثاني: قال أحمد بن عبيد الفقير أسوأ حالًا من المسكين ، لأن الفقير أصله في اللغة المفقور الذي نزعت فقرة من فقار ظهره ، فصرف عن مفقور إلى فقير كما قيل: مطبوخ وطبيخ ، ومجروح وجريح ، فثبت أن الفقير إنما سمي فقيرًا لزمانته مع حاجته الشديدة وتمنعه الزمانة من التقلب في الكسب ومعلوم أنه لا حال في الإقلال والبؤس آكد من هذه الحال وأنشدوا للبيد:

لما رأى لبد النسور تطايرت ... رفع القوادم كالفقير الأعزل

قال ابن الأعرابي في هذا البيت الفقير المكسور الفقار ، يضرب مثلًا لكل ضعيف لا يتقلب في الأمور ، ومما يدل على إشعار لفظ الفقير بالشدة العظيمة قوله تعالى: { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ *تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ } [ القيامة: 24 ، 25 ] جعل لفظ الفاقرة كناية عن أعظم أنواع الشر والدواهي .

الوجه الثالث: ما روي أنه E ، كان يتعوذ من الفقر ، وقال: « كاد الفقر أن يكون كفرًا » ثم قال: « اللهم أحيني مسكينًا وأمتني مسكينًا واحشرني في زمرة المساكين » فلو كان المسكين أسوأ حالًا من الفقير لتناقض الحديثان ، لأنه تعوذ من الفقر ، ثم سأل حالًا أسوأ منه ، أما إذا قلنا الفقر أشد من المسكنة فلا تناقض ألبتة .

الوجه الرابع: أن كونه مسكينًا ، لا ينافي كونه مالكًا للمال بدليل قوله تعالى: { أَمَّا السفينة فَكَانَتْ لمساكين } [ الكهف: 79 ] فوصف بالمسكنة من له سفينة من سفن البحر تساوي جملة من الدنانير ، ولم نجد في كتاب الله ما يدل على أن الإنسان سمي فقيرًا مع أنه يملك شيئًا .

فإن قالوا: الدليل عليه قوله تعالى: { والله الغنى وَأَنتُمُ الفقراء } [ محمد: 38 ] فوصف الكل بالفقر مع أنهم يملكون أشياء .

قلنا: هذا بالضد أولى لأنه تعالى وصفهم بكونهم فقراء بالنسبة إلى الله تعالى ، فإن أحدًا سوى الله تعالى لا يملك ألبتة شيئًا بالنسبة إلى الله فصح قولنا .

الوجه الخامس: قوله تعالى: { أَوْ إِطْعَامٌ فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ } [ البلد: 14 16 ] والمراد منه المسكين ذي المتربة الفقير الذي قد ألصق بالتراب من شدة الفقر ، فتقييد المسكين بهذا القيد يدل على أنه قد يحصل مسكين خال عن وصف كونه { ذَا مَتْرَبَةٍ } وإنما يكون كذلك بتقدير أن يملك شيئًا ، فهذا يدل على أن كونه مسكينًا لا ينافي كونه مالكًا لبعض الأشياء .

الوجه السادس: قال ابن عباس Bهما ، الفقير هو المحتاج الذي لا يجد شيئًا ، قال: وهم أهل الصفة ، صفة مسجد رسول الله A وكانوا نحو أربعمائة رجل لا منزل لهم ، فمن كان من المسلمين عنده فضل أتاهم به إذا أمسوا ، والمساكين هم الطوافون الذين يسألون الناس .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت