فهرس الكتاب

الصفحة 3602 من 8321

ثم قال تعالى: { فَلَمَّا ءَاتَاهُمْ مّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ } وهذا يدل على أنه تعالى وصفهم بصفات ثلاثة:

الصفة الأولى: البخل وهو عبارة عن منع الحق .

والصفة الثانية: التولي عن العهد .

والصفة الثالثة: الإعراض عن تكاليف الله وأوامره .

ثم قال تعالى: { فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِى قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: قوله: { فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا } فعل ولا بد من إسناده إلى شيء تقدم ذكره . والذي تقدم ذكره هو الله جل ذكره ، والمعاهدة والتصدق والصلاح والبخل والتولي والإعراض ولا يجوز إسناد أعقاب النفاق إلى المعاهدة أو التصدق أو الصلاح ، لأن هذه الثلاثة أعمال الخير فلا يجوز جعلها مؤثره في حصول النفاق ، ولا يجوز إسناد هذا الإعقاب إلى البخل والتولي والإعراض ، لأن حاصل هذه الثلاثة كونه تاركًا لأداء الواجب وذلك لا يمكن جعله مؤثرًا في حصول النفاق في القلب ، لأن ذلك النفاق عبارة عن الكفر وهو جهل وترك بعض الواجب لا يجوز أن يكون مؤثرًا في حصول الجهل في القلب . أما أولًا: فلأن ترك الواجب عدم ، والجهل وجود العدم لا يكون مؤثرًا في الوجود . وأما ثانيًا: فلأن هذا البخل والتولي والإعراض قد يوجد في حق كثير من الفساق ، مع أنه لا يحصل معه النفاق . وأما ثالثًا: فلأن هذا الترك لو أوجب حصول الكفر في القلب لأوجبه سواء كان هذا الترك جائزًا شرعًا أو كان محرمًا شرعًا ، لأن سبب اختلاف الأحكام الشرعية لا يخرج المؤثر عن كونه مؤثرًا . وأما رابعًا: فلأنه تعالى قال بعد هذه الآية { بِمَا أَخْلَفُواْ الله مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ } فلو كان فعل الأعقاب مسند إلى البخل والتولي والإعراض لصار تقدير الآية فأعقبهم بخلهم وإعراضهم وتوليهم نفاقًا في قلوبهم بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون ، وذلك لا يجوز ، لأنه فرق بين التولي وحصول النفاق في القلب بسبب التولي ومعلوم أنه كلام باطل . فثبت بهذه الوجوه أنه لا يجوز إسناد هذا الإعقاب إلى شيء من الأشياء التي تقدم ذكرها إلا إلى الله سبحانه ، فوجب إسناده إليه ، فصار المعنى أنه تعالى هو الذي يعقب النفاق في قلوبهم ، وذلك يدل على أن خالق الكفر في القلوب هو الله تعالى ، وهذا هو الذي قال الزجاج إن معناه: أنهم لما ضلوا في الماضي ، فهو تعالى أضلهم عن الدين في المستقبل ، والذي يؤكد القول بأن قوله { فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا } مسند إلى الله جل ذكره أنه قال: { إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ } والضمير في قوله تعالى: { يَلْقَوْنَهُ } عائد إلى الله تعالى ، فكان الأولى أن يكون قوله: { فَأَعْقَبَهُمْ } مسندًا إلى الله تعالى . قال القاضي: المراد من قوله: { فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِى قُلُوبِهِمْ } أي فأعقبهم العقوبة على النفاق ، وتلك العقوبة هي حدوث الغم في قلوبهم وضيق الصدر وما ينالهم من الذل والذم ، ويدوم ذلك بهم إلى الآخرة . قلنا: هذا بعيد لأنه عدول عن الظاهر من غير حجة ولا شبهة ، فإن ذكر أن الدلائل العقلية دلت على أن الله تعالى لا يخلق الكفر ، قابلنا دلائلهم بدلائل عقلية ، لو وضعت على الجبال الراسيات لاندكت .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت