فهرس الكتاب

الصفحة 3628 من 8321

والجواب عن الأول: أن حمل السابقين على السابقين في المدة تحكم لا دلالة عليه ، لأن لفظ السابق مطلق ، فلم يكن حمله على السبق في المدة أولى من حمله على السبق في سائر الأمور ، ونحن بينا أن حمله على السبق في الهجرة أولى . قوله: المراد منه السبق في الإسلام .

قلنا: السبق في الهجرة يتضمن السبق في الإسلام ، والسبق في الإسلام لا يتضمن السبق في الهجرة ، فكان حمل اللفظ على السبق في الهجرة أولى . وأيضًا فهب أنا نحمل اللفظ على السبق في الإيمان ، إلا أنا نقول: قوله: { والسابقون الأولون } صيغة جمع فلا بد من حمله على جماعة ، فوجب أن يدخل فيه علي Bه وغيره ، وهب أن الناس اختلفوا في أن إيمان أبي بكر أسبق أم إيمان علي؟ لكنهم اتفقوا على أن أبا بكر من السابقين الأولين ، واتفق أهل الحديث على أن أول من أسلم من الرجال أبو بكر ، ومن النساء خديجة ، ومن الصبيان علي ، ومن الموالي زيد ، فعلى هذا التقدير: يكون أبو بكر من السابقين الأولين ، وأيضًا قد بينا أن السبق في الإيمان إنما أوجب الفضل العظيم من حيث إنه يتقوى به قلب الرسول عليه السلام ، ويصير هو قدوة لغيره ، وهذا المعنى في حق أبي بكر أكمل ، وذلك لأنه حين أسلم كان رجلًا كبير السن مشهورًا فيما بين الناس ، واقتدى به جماعة من أكابر الصحابة Bهم ، فإنه نقل أنه لما أسلم ذهب إلى طلحة والزبير وعثمان بن عفان ، وعرض الإسلام عليهم ، ثم جاء بهم بعد أيام إلى الرسول عليه السلام ، وأسلموا على يد الرسول عليه السلام ، فظهر أنه دخل بسبب دخوله في الإسلام قوة في الإسلام ، وصار هذا قدوة لغيره ، وهذه المعاني ما حصلت في علي Bه ، لأنه في ذلك الوقت كان صغير السن ، وكان جاريًا مجرى صبي في داخل البيت ، فما كان يحصل بإسلامه في ذلك الوقت مزيد قوة للإسلام ، وما صار قدوة في ذلك الوقت لغيره ، فثبت أن الرأس والرئيس في قوله: { والسابقون الأولون مِنَ المهاجرين } ليس إلا أبا بكر ، أما قوله لم قلتم إنه بقي موصوفًا بهذه الصفة بعد إقدامه على طلب الإمامة؟

قلنا: قوله تعالى: { رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ } يتناول جميع الأحوال والأوقات بدليل أنه لا وقت ولا حال إلا ويصح استثناؤه منه . فيقال Bهم إلا في وقت طلب الإمامة ، ومقتضى الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل تحت اللفظ . أو نقول: إنا بينا أنه تعالى وصفهم بكونهم سابقين مهاجرين ، وذلك يقتضي أن المراد كونهم سابقين في الهجرة ، ثم لما وصفهم بهذا الوصف أثبت لهم ما يوجب التعظيم ، وهو قوله: { رَّضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ } والسبق في الهجرة وصف مناسب للتعظيم ، وذكر الحكم عقيب الوصف المناسب ، يدل على كون ذلك الحكم معللًا بذلك الوصف ، فدل هذا على أن التعظيم الحاصل من قوله: { رَّضِىَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ } معلل بكونهم سابقين في الهجرة ، والعلة ما دامت موجودة ، وجب ترتب المعلول عليها ، وكونهم سابقين في الهجرة وصف دائم في جميع مدة وجودهم ، فوجب أن يكون ذلك الرضوان حاصلًا في جميع مدة وجودهم ، أو نقول: إنه تعالى قال: { وَأَعَدَّ لَهُمْ جنات تَجْرِي تَحْتَهَا الأنهار } وذلك يقتضي أنه تعالى قد أعد تلك الجنات وعينها لهم ، وذلك يقتضي بقاءهم على تلك الصفة التي لأجلها صاروا مستحقين لتلك الجنات ، وليس لأحد أن يقول: المراد أنه تعالى أعدها لهم لو بقوا على صفة الإيمان ، لأنا نقول: هذا زيادة إضمار وهو خلاف الظاهر . وأيضًا فعلى هذا التقدير: لا يبقى بين هؤلاء المذكورين في هذا المدح ، وبين سائر الفرق فرق ، لأنه تعالى: { أَعَدَّ لَهُمْ جنات تَجْرِي تَحْتَهَا الأنهار } ولفرعون وهامان وأبي جهل وأبي لهب ، لو صاروا مؤمنين ، ومعلوم أنه تعالى إنما ذكر هذا الكلام في معرض المدح العظيم والثناء الكامل ، وحمله على ما ذكروه يوجب بطلان هذا المدح والثناء ، فسقط هذا السؤال . فظهر أن هذه الآية دالة على فضل أبي بكر ، وعلى صحة القول بإمامته قطعًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت