فهرس الكتاب

الصفحة 3636 من 8321

« ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئًا ، » فأنزل الله تعالى هذه الآيات فأخذ رسول الله A ثلث أموالهم ، وترك الثلثين لأنه تعالى قال: { خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً } ولم يقل خذ أموالهم ، وكلمة { مِنْ } تفيد التبعيض . واعلم أن هذه الرواية لا تمنع القول الذي اخترناه كأنه قيل لهم إنكم لما رضيتم بإخراج الصدقة التي هي غير واجبة فلأن تصيروا راضين بإخراج الواجبات أولى .

المسألة الثانية: هذه الآية تدل على كثير من أحكام الزكاة .

الحكم الأول

أن قوله: { خُذْ مِنْ أموالهم } يدل على أن القدر المأخوذ بعض تلك الأموال لا كلها إذ مقدار ذلك البعض غير مذكور ههنا بصريح اللفظ ، بل المذكور ههنا قوله: { صَدَقَةٍ } ومعلوم أنه ليس المراد منه التنكير حتى يكفي أخد أي جزء كان ، وإن كان في غاية القلة ، مثل الحبة الواحدة من الحنطة أو الجزء الحقير من الذهب ، فوجب أن يكون المراد منه صدقة معلومة الصفة والكيفية والكمية عندهم ، حتى يكون قوله: { خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً } أمرًا بأخذ تلك الصدقة المعلومة ، فحينئذ يزول الإجمال . ومعلوم أن تلك الصدقة ليست إلا الصدقات التي وصفها رسول الله A وبين كيفيتها ، والصدقة التي بين رسول الله A هي أنه أمر بأن يؤخذ في خمس وعشرين بنت مخاض ، وفي ستة وثلاثين بنت لبون ، إلى غير ذلك من المراتب ، فكان قوله: { خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً } أمرًا بأن يأخذ تلك الأشياء المخصوصة والأعيان المخصوصة ، وظاهر الآية للوجوب ، فدل هذا النص على أن أخذها واجب ، وذلك يدل على أن القيمة لا تكون مجزئة على ما هو قول الشافعي C .

الحكم الثاني

أن قوله: { مِنْ أموالهم صَدَقَةً } يقتضي أن يكون المال مالًا لهم ، ومتى كان الأمر كذلك لم يكن الفقير شريكًا للمالك في النصاب ، وحينئذ يلزم أن تكون الزكاة متعلقة بالذمة . وأن لا يكون لها تعلق ألبتة بالنصاب .

وإذا ثبت هذا فنقول: إنه إذا فرط في الزكاة حتى هلك النصاب ، فالذي هلك ما كان محلًا للحق ، بل محل الحق باق كما كان ، فوجب أن يبقى ذلك الوجوب بعد هلاك النصاب كما كان ، وهذا قول الشافعي C .

الحكم الثالث

ظاهر هذا العموم يوجب الزكاة في مال المديون ، وفي مال الضمان ، وهو ظاهر .

الحكم الرابع

ظاهر الآية يدل على أن الزكاة إنما وجبت طهرة عن الآثام ، فلا تجب إلا حيث تصير طهرة عن الآثام ، وكونها طهرة عن الآثام لا يتقرر إلا حيث يمكن حصول الآثام ، وذلك لا يعقل إلا في حق البالغ ، فوجب أن لا يثبت وجوب الزكاة إلا في حق البالغ كما هو قول أبي حنيفة C ، إلا أن الشافعي C يجيب ويقول إن الآية تدل على أخذ الصدقة من أموالهم ، وأخذ الصدقة من أموالهم يستلزم كونها طهرة ، فلم قلتم إن أخذ الزكاة من أموال الصبي ، والمجنون طهرة لأنه لا يلزم من انتفاء سبب معين انتفاء الحكم مطلقًا؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت