المسألة الثالثة: في قوله: { تُطَهّرُهُمْ } أقوال:
القول الأول: أن يكون التقدير: خذ يا محمد من أموالهم صدقة فإنك تطهرهم .
القول الثاني: أن يكون تطهرهم معلقًا بالصدقة ، والتقدير: خذ من أموالهم صدقة مطهرة ، وإنما حسن جعل الصدقة مطهرة لما جاء أن الصدقة أوساخ الناس ، فإذا أخذت الصدقة فقد اندفعت تلك الأوساخ فكان اندفاعها جاريًا مجرى التطهير ، والله أعلم .
إن على هذا القول وجب أن نقول: إن قوله: { وَتُزَكّيهِمْ } يكون منقطعًا عن الأول ، ويكون التقدير { خُذْ } يا محمد { مِنْ أموالهم صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ } تلك الصدقة ، وتزكيهم أنت بها .
القول الثالث: أن يجعل التاء في { تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ } ضمير المخاطب ، ويكون المعنى: تطهرهم أنت أيها الآخذ بأخذها منهم وتزكيهم بواسطة تلك الصدقة .
المسألة الرابعة: قال صاحب «الكشاف» : قرىء { تُطَهّرُهُمْ } من أطهره بمعنى طهره { وتطهرهم } بالجزم جوابًا للأمر ، ولم يقرأ { وَتُزَكّيهِمْ } إلا بإثبات الياء .
ثم قال تعالى: { وَتُزَكّيهِمْ } واعلم أن التزكية لما كانت معطوفة على التطهير وجب حصول المغايرة ، فقيل: التزكية مبالغة في التطهير ، وقيل: التزكية بمعنى الإنماء ، والمعنى: أنه تعالى يجعل النقصان الحاصل بسبب إخراج قدر الزكاة سببًا للإنماء ، وقيل: الصدقة تطهرهم عن نجاسة الذنب والمعصية ، والرسول عليه السلام يزكيهم ويعظم شأنهم ويثني عليهم عند إخراجها إلى الفقراء .
ثم قال تعالى: { وَصَلّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صلواتك سَكَنٌ لَّهُمْ } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم { إن صلاتك } بغير واو وفتح التاء على التوحيد ، والمراد منه الجنس ، وكذلك في سورة هود { أَصَلاتكَ تَأْمُرُكَ } بغير واو وعلى التوحيد ، والباقون { صلواتك } وكذلك في هود على الجمع ، قال أبو عبيدة: والقراءة الأولى أولى لأن الصلاة أكثر . ألا ترى أنه قال: { أَقِيمُواْ الصلاة } والصلوات جمع قلة ، تقول ثلاث صلوات وخمس صلوات ، قال أبو حاتم: هذا غلط لأن بناء الصلوات ليس للقلة لأنه تعالى قال: { مَّا نَفِدَتْ كلمات الله } [ لقمان: 27 ] ولم يرد القليل وقال: { وَهُمْ فِى الغرفات ءامِنُونَ } [ سبأ: 37 ] وقال: { إِنَّ المسلمين والمسلمات } [ الأحزاب: 35 ] .
المسألة الثانية: احتج مانعو الزكاة في زمان أبي بكر بهذه الآية ، وقالوا إنه تعالى أمر رسوله بأخذ الصدقات ، ثم أمره بأن يصلي عليهم وذكر أن صلاته سكن لهم ، فكان وجوب الزكاة مشروطًا بحصول ذلك السكن ، ومعلوم أن غير الرسول لا يقوم مقامه في حصول ذلك السكن . فوجب أن لا يجب دفع الزكاة إلى أحد غير الرسول E ، واعلم أنه ضعيف لأن سائر الآيات دلت على أن الزكاة إنما وجبت دفعًا لحاجة الفقير كما في قوله: