{ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مّن مُّشْرِكٍ } [ البقرة: 221 ] .
إذا عرفت هذا فههنا وجهان: الأول: أن التنكير يدل على الكمال ، ألا ترى إلى قوله تعالى: { وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ الناس على حياة } [ البقرة: 96 ] والمعنى: ولتجدنهم أحرص الناس على حياة دائمة كاملة غير منقطعة .
إذا ثبت هذا فقوله: «سلام» لفظة منكرة ، فكان المراد منه سلام كامل تام ، وعلى هذا التقدير: فقد صارت هذه النكرة موصوفة ، فصح جعلها مبتدأ ، وإذا كان كذلك فحينئذ يحصل الخبر وهو قوله: «عليكم» والتقدير: سلام كامل تام عليكم . والثاني: أن يجعل قوله: «عليكم» صفة لقوله: «سلام» فيكون مجموع قوله: «سلام عليكم» مبتدأ ويضمر له خبر ، والتقدير: سلام عليكم واقع كائن حاصل ، وربما كان حذف الخبر أدل على التهويل والتفخيم .
إذا عرفت هذا فنقول: إنه عند الجواب يقلب هذا الترتيب فيقال وعليكم السلام ، والسبب فيه ما قاله سيبويه أنهم يقدمون الأهم والذي هم بشأنه أعنى ، فلما قال وعليكم السلام دل على أن اهتمام هذا المجيب بشأن ذلك القائل شديد كامل ، وأيضًا فقوله: «وعليكم السلام» يفيد الحصر ، فكأنه يقول إن كنت قد أوصلت السلام إلي فأنا أزيد عليه وأجعل السلام مختصًا بك ومحصورًا فيك امتثالًا لقوله تعالى: { وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا } [ النساء: 86 ] ومن لطائف قوله: «سلام عليكم» أنها أكمل من قوله: «السلام عليك» وذلك لأن قوله: «سلام عليك» معناه: سلام كامل تام شريف رفيع عليك . وأما قوله: السلام عليك ، فالسلام لفظ مفرد محلى بالألف واللام ، وأنه لا يفيد إلا أصل الماهية ، واللفظ الدال على أصل الماهية لا إشعار فيه بالأحوال العارضة للماهية وبكمالات الماهية ، فكان قوله: «سلام عليك» أكمل من قوله: «السلام عليك» ومما يؤكد هذا المعنى أنه أينما جاء لفظ «السلام» من الله تعالى ورد على سبيل التنكير ، كقوله: { وَإِذَا جَاءكَ الذين يُؤْمِنُونَ بئاياتنا فَقُلْ سلام عَلَيْكُمْ } [ الأنعام: 54 ] وقوله: { قُلِ الحمد لِلَّهِ وسلام على عِبَادِهِ الذين اصطفى } [ النمل: 59 ] وفي القرآن من هذا الجنس كثير . أما لفظ «السلام» بالألف واللام ، فإنما جاء من الأنبياء عليهم السلام ، كقول موسى عليه السلام: { قَدْ جئناك بِئَايَةٍ مّن رَّبّكَ والسلام على مَنِ اتبع الهدى } [ طه: 47 ] وأما في سورة مريم فلما ذكر الله يحيى عليه السلام قال: { وسلام عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ } [ مريم: 15 ] وهذا السلام من الله تعالى ، وفي قصة عيسى عليه السلام قال: { والسلام عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ } [ مريم: 33 ] وهذا كلام عيسى عليه السلام . فثبت بهذه الوجوه أن قوله: «سلام عليك» أكمل من قوله: «السلام عليك» فلهذا السبب اختار الشافعي C في قراءة التشهد قوله: سلام عليك أيها النبي على سبيل التنكير ، ومن لطائف السلام أنه لا شك أن هذا العالم معدن الشرور والآفات والمحن والمخالفات ، واختلف العلماء الباحثون عن أسرار الأخلاق ، أن الأصل في جبلة الحيوان الخير أو الشر؟ فمنهم من قال: الأصل فيها الشر ، وهذا كالإجماع المنعقد بين جميع أفراد الإنسان ، بل نزيد ونقول: إنه كالإجماع المنعقد بين جميع الحيوان ، والدليل عليه أن كل إنسان يرى إنسانًا يعدو إليه مع أنه لا يعرفه ، فإن طبعه يحمله على الاحتراز عنه والتأهب لدفعه ، ولولا أن طبعه يشهد بأن الأصل في الإنسان الشر ، وإلا لما أوجبت فطرة العقل التأهب لدفع شر ذلك الساعي إليه ، بل قالوا: هذا المعنى حاصل في كل الحيوانات ، فإن كل حيوان عدا إليه حيوان آخر فر ذلك الحيوان الأول واحترز منه ، فلو تقرر في طبعه أن الأصل في هذا الواصل هو الخير لوجب أن يقف ، لأن أصل الطبيعة يحمل على الرغبة في وجدان الخير ، ولو كان الأصل في طبع الحيوان أن يكون خيره وشره على التعادل والتساوي ، وجب أن يكون الفرار والوقوف متعادلين ، فلما لم يكن الأمر كذلك بل كل حيوان نوجه إليه حيوان مجهول الصفة عند الأول ، فإن ذلك الأول يحترز عنه بمجرد فطرته الأصلية ، علمنا أن الأصل في الحيوان هو الشر .