فهرس الكتاب

الصفحة 3653 من 8321

البحث الثاني: قرأ نافع وابن عامر { أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ } على فعل ما لم يسم فاعله ، وذلك الفاعل هو الباني والمؤسس ، أما قوله: { على تقوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ } أي للخوف من عقاب الله والرغبة في ثوابه ، وذلك لأن الطاعة لا تكون طاعة إلا عند هذه الرهبة والرغبة ، وحاصل الكلام أن الباني لما بنى ذلك البناء لوجه الله تعالى وللرهبة من عقابه ، والرغبة في ثوابه ، كان ذلك البناء أفضل وأكمل من البناء الذي بناه الباني لداعية الكفر بالله والإضرار بعباد الله ، أما قوله: { أمِن أَسَّسَ بُنْيَانَهُ على شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فانهار بِهِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ } ففيه مباحث:

البحث الأول: قرأ ابن عامر وحمزة وأبو بكر عن عاصم { جُرُفٍ } ساكنة الراء والباقون بضم الراء وهما لغتان ، جرف وجرف كشغل وشغل وعنق وعنق .

البحث الثاني: قال أبو عبيدة: الشفا الشفير ، وشفا الشيء حرفه ، ومنه يقال أشفى على كذا إذا دنا منه ، والجرف هو ما إذا سال السيل وانحرف الوادي ويبقى على طرف السيل طين واه مشرف على السقوط ساعة فساعة . فذلك الشيء هو الجرف ، وقوله: { هَارٍ } قال الليث: الهور مصدر هار الجرف يهور ، إذا انصدع من خلفه ، وهو ثابت بعد في مكانه ، وهو جرف هار هائر ، فإذا سقط فقد انهار وتهور .

إذا عرفت هذه الألفاظ فنقول: المعنى أفمن أسس بنيان دينه على قاعدة قوية محكمة وهي الحق الذي هو تقوى الله ورضوانه خير ، أمن أسس على قاعدة هي أضعف القواعد وأقلها بقاء ، وهو الباطل؟ والنفاق الذي مثله مثل شفا جرف هار من أودية جهنم فلكونه { شَفَا جُرُفٍ هَارٍ } كان مشرفًا على السقوط ، ولكونه على طرف جهنم ، كان إذا انهار فإنما ينهار في قعر جهنم ، ولا نرى في العالم مثالًا أكثر مطابقة لأمر المنافقين من هذا المثال! وحاصل الكلام أن أحد البناءين قصد بانيه ببنائه تقوى الله ورضوانه ، والبناء الثاني قصد بانيه ببنائه المعصية والكفر ، فكان البناء الأول شريفًا واجب الإبقاء ، وكان الثاني خسيسًا واجب الهدم .

ثم قال تعالى: { لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الذى بَنَوْاْ رِيبَةً فِى قُلُوبِهِمْ } والمعنى: أن بناء ذلك البنيان صار سببًا لحصول الريبة في قلوبهم ، فجعل نفس ذلك البنيان ريبة لكونه سببًا للريبة . وفي كونه سببًا للريبة وجوه: الأول: أن المنافقين عظم فرحهم ببناء مسجد الضرار ، فلما أمر الرسول A بتخريبه ثقل ذلك عليهم وازداد بغضهم له وازداد ارتيابهم في نبوته . الثاني: أن الرسول E لما أمر بتخريب ذلك المسجد ظنوا أنه إنما أمر بتخريبه لأجل الحسد ، فارتفع أمانهم عنه وعظم خوفهم منه في كل الأوقات ، وصاروا مرتابين في أنه هل يتركهم على ما هم فيه أو يأمر بقتلهم ونهب أموالهم؟ الثالث: أنهم اعتقدوا أنهم كانوا محسنين في بناء ذلك المسجد ، فلما أمر الرسول E بتخريبه بقوا شاكين مرتابين في أنه لأي سبب أمر بتخريبه؟ الرابع: بقوا شاكين مرتابين في أن الله تعالى هل يغفر تلك المعصية؟ أعني سعيهم في بناء ذلك المسجد ، والصحيح هو الوجه الأول .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت