فولى الرجل يبكي فدعاه E ، فقال: « إن أبي وأباك وأبا إبراهيم في النار ، إن أباك لم يقل يومًا أعوذ بالله من النار » المسألة الثانية: قوله: { مَا كَانَ لِلنَّبِىّ والذين ءامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ } يحتمل أن يكون المعنى ما ينبغي لهم ذلك فيكون كالوصف ، وأن يكون معناه ليس لهم ذلك على معنى النهي: فالأول: معناه أن النبوة والإيمان يمنع من الاستغفار للمشركين . والثاني: معناه لا تستغفروا والأمران مقاربان . وسبب هذا المنع ما ذكره الله تعالى في قوله: { مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أصحاب الجحيم } وأيضًا قال: { إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } والمعنى أنه تعالى لما أخبر عنهم أنه يدخلهم النار . فطلب الغفران لهم جار مجرى طلب أن يخلف الله وعده ووعيده وأنه لا يجوز . وأيضًا لما سبق قضاء الله تعالى بأنه يعذبهم . فلو طلبوا غفرانه لصاروا مردودين ، وذلك يوجب نقصان درجة النبي E وحظ مرتبته ، وأيضًا أنه قال: { ادعونى أَسْتَجِبْ لَكُمْ } [ غافر: 60 ] وقال عنهم أنهم أصحاب الجحيم فهذا الاستغفار يوجب الخلف في أحد هذين النصين ، وإنه لا يجوز وقد جوز أبو هاشم أن يسأل العبد ربه شيئًا بعد ما أخبر الله عنه أنه لا يفعله ، واحتج عليه بقول أهل النار { رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا } [ المؤمنون: 107 ] مع علمهم بأنه تعالى لا يفعل ذلك ، وهذا في غاية البعد من وجوه: الأول: أم هذا مبني على مذهبه أن أهل الآخرة لا يجهلون ولا يكذبون ، وذلك ممنوع ، بل نص القرآن يبطله . وهو قوله: { ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } [ الأنعام: 23 ] { انظر كَيْفَ كَذَبُواْ على أَنفُسِهِمْ } [ الأنعام: 24 ] والثاني: أن في حقهم يحسن ردهم عن ذلك السؤال وإسكاتهم ، أما في حق الرسول E فغير جائز ، لأنه يوجب نقصان منصبه . والثالث: أن مثل هذا السؤال الذي يعلم أنه لا فائدة فيه إما أن يكون عبثًا أو معصية . وكلاهما جائزان على أهل النار وغير جائزين على أكابر الأنبياء عليهم السلام .
المسألة الثالثة: أنه تعالى لما بين أن العلة المانعة من هذا الاستغفار هو تبين كونهم من أصحاب النار ، وهذه العلة لا تختلف بأن يكونوا من الأقارب أو من الأباعد ، فلهذا السبب قال تعالى: { وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِى قربى } وكون سبب النزول ما حكينا ، يقوي هذا الذي قلناه .
أما قوله تعالى: { وَمَا كَانَ استغفار إبراهيم لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ } ففيه مسائل:
المسألة الأولى: في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوه: الأول: أن المقصود منه أن لا يتوهم إنسان أنه تعالى منع محمدًا من بعض ما أذن لإبراهيم فيه . والثاني: أن يقال إنا ذكرنا في سبب اتصال هذه الآية بما قبلها المبالغة في إيجاب الانقطاع عن الكفار أحيائهم وأمواتهم . ثم بين تعالى أن هذا الحكم غير مختص بدين محمد E ، بل المبالغة في تقرير وجوب الانقطاع كانت مشروعة أيضًا في دين إبراهيم عليه السلام ، فتكون المبالغة في تقرير وجوب المقاطعة والمباينة من الكفار أقوى . الثالث: أنه تعالى وصف إبراهيم عليه السلام في هذه الآية بكونه حليمًا أي قليل الغضب ، وبكونه أواها أي كثير التوجع والتفجع عند نزول المضار بالناس ، والمقصود أن من كان موصوفًا بهذه الصفات كان ميل قلبه إلى الاستغفار لأبيه شديدًا ، فكأنه قيل: إن إبراهيم مع جلالة قدره ومع كونه موصوفًا بالأواهية والحليمية منعه الله تعالى من الاستغفار لأبيه الكافر ، فلأن يكون غيره ممنوعًا من هذا المعنى كان أولى .