فهرس الكتاب

الصفحة 3666 من 8321

المسألة الثانية: دل القرآن على أن إبراهيم عليه السلام استغفر لأبيه . قال تعالى حكاية عنه { واغفر لأَبِى إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضالين } [ الشعراء: 86 ] وأيضًا قال عنه: { رَبَّنَا اغفر لِى وَلِوَالِدَىَّ } [ إبراهيم: 41 ] وقال تعالى حكاية عنه في سورة مريم قال: { سلام عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِي } [ مريم: 47 ] وقال أيضًا: { لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ } [ الممتحنة: 4 ] وثبت أن الاستغفار للكافر لا يجوز . فهذا يدل على صدور هذا الذنب من إبراهيم عليه السلام .

واعلم أنه تعالى أجاب عن هذا الإشكال بقوله: { وَمَا كَانَ استغفار إبراهيم لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ } [ التوبة: 114 ] وفيه قولان: الأول: أن يكون الواعد أبا إبراهيم عليه السلام ، والمعنى: أن أباه وعده أن يؤمن ، فكان إبراهيم عليه السلام يستغفر لأجل أن يحصل هذا المعنى ، فلما تبين له أنه لا يؤمن وأنه عدو لله تبرأ منه ، وترك ذلك الاستغفار . الثاني: أن يكون الواعد إبراهيم عليه السلام ، وذلك أنه وعد أباه أن يستغفر له رجاء إسلامه { فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ } والدليل على صحة هذا التأويل قراءة الحسن { وَعَدَهَا أَبَاهُ } بالباء ، ومن الناس من ذكر في الجواب وجهين آخرين .

الوجه الأول: المراد من استغفار إبراهيم لأبيه دعاؤه له إلى الإيمان والإسلام ، وكان يقول له آمن حتى تتخلص من العقاب وتفوز بالغفران ، وكان يتضرع إلى الله في أن يرزقه الإيمان الذي يوجب المغفرة ، فهذا هو الاستغفار ، فلما أخبره الله تعالى بأنه يموت مصرًا على الكفر ترك تلك الدعوة .

والوجه الثاني: في الجواب أن من الناس من حمل قوله: { مَا كَانَ لِلنَّبِىّ والذين ءامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ } [ التوبة: 113 ] على صلاة الجنازة ، وبهذا الطريق فلا امتناع في الاستغفار للكافر لكون الفائدة في ذلك الاستغفار تخفيف العقاب . قالوا: والدليل على أن المراد ما ذكرناه ، أنه تعالى منع من الصلاة على المنافقين ، وهو قوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت