{ وَلاَ تُصَلّ على أَحَدٍ مّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا } [ التوبة: 84 ] وفي هذه الآية عم هذا الحكم ، ومنه من الصلاة على المشركين ، سواء كان منافقًا أو كان مظهرًا لذلك الشرك وهذا قول غريب .
المسألة الثالثة: اختلفوا في السبب الذي به تبين لإبراهيم أن أباه عدو لله . فقال بعضهم: بالإصرار والموت . وقال بعضهم: بالإصرار وحده . وقال آخرون: لا يبعد أن الله تعالى عرفه ذلك بالوحي ، وعند ذلك تبرأ منه . فكان تعالى يقول: لما تبين لإبراهيم أن أباه عدو لله تبرأ منه ، فكونوا كذلك ، لأني أمرتكم بمتابعة إبراهيم في قوله: { واتَّبَعَ مِلَّةَ إبراهيم } [ النساء: 125 ] .
واعلم أنه تعالى لما ذكر حال إبراهيم في هذه الواقعة . قال: { إِنَّ إبراهيم لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ } [ التوبة: 114 ] واعلم أن اشتقاق الأواه من قول الرجل عند شدة حزنه أوه ، والسبب فيه أن عند الحزن يختنق الروح القلبي في داخل القلب ويشتد حرقه ، فالإنسان يخرج ذلك النفس المحترق من القلب ليخفف بعض ما به هذا هو الأصل في اشتقاق هذا اللفظ ، وللمفسرين فيه عبارات ، روي عن النبي A أنه قال: « الأواه: الخاشع المتضرع » وعن عمر: أنه سأل رسول الله A عن الأواه ، فقال: « الدعاء » ويروى أن زينب تكلمت عند الرسول E بما يغير لونه ، فأنكر عمر ، فقال E: « دعها فإنها أواهة » قيل يا رسول الله وما الأواهة؟ قال: « الداعية الخاشعة المتضرعة » وقيل: معنى كون إبراهيم عليه السلام أواها ، كلما ذكر لنفسه تقصيرًا أو ذكر له شيء من شدائد الآخرة كان يتأوه إشفاقًا من ذلك واستعظامًا له . وعن ابن عباس Bهما: الأواه ، المؤمن بالخشية . وأما وصفه بأنه حليم فهو معلوم . واعلم أنه تعالى إنما وصفه بهذين الوصفين في هذا المقام ، لأنه تعالى وصفه بشدة الرقة والشفقة والخوف والوجل ، ومن كذلك فإنه تعظم رقته على أبيه وأولاده ، فبين تعالى أنه مع هذه العادة تبرأ من أبيه وغلظ قلبه عليه ، لما ظهر له إصراره على الكفر ، فأنتم بهذا المعنى أولى ، وكذلك وصفه أيضًا بأنه حليم ، لأن أحد أسباب الحلم رقة القلب ، وشدة العطف لأن المرء إذا كان حاله هكذا اشتد حلمه عند الغضب .