المسألة الأولى: اعلم أنه لا بد ههنا من إضمار . والتقدير: حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه . تاب عليهم ثم تاب عليهم ، فما الفائدة في هذا التكرير؟
قلنا: هذا التكرير حسن للتأكيد كما أن السلطان إذا أراد أن يبالغ في تقرير العفو لبعض عبيده يقول عفوت عنك ثم عفوت عنك .
فإن قيل: فما معنى قوله: { ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ } .
قلنا فيه وجوه: الأول: قال أصحابنا المقصود منه بيان أن فعل العبد مخلوق لله تعالى فقوله: { ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ } يدل على أن التوبة فعل الله وقوله: { لِيَتُوبُواْ } يدل على أنها فعل العبد ، فهذا صريح قولنا ، ونظيره { فَلْيَضْحَكُواْ } مع قوله: { وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وأبكى } وقوله: { كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ } مع قوله: { إِذْ أَخْرَجَهُ الذين كَفَرُواْ } وقوله: { هُوَ الذي يُسَيّرُكُمْ } مع قوله: { قُلْ سِيرُواْ } والثاني: المراد تاب الله عليهم في الماضي ليكون ذلك داعيًا لهم إلى التوبة في المستقبل . والثالث: أصل التوبة الرجوع ، فالمراد ثم تاب عليهم ليرجعوا إلى حالهم وعادتهم في الاختلاط بالمؤمنين ، وزوال المباينة فتسكن نفوسهم عند ذلك . الرابع: { ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ } أي ليدوموا على التوبة ، ولا يراجعوا ما يبطلها . الخامس: { ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ } لينتفعوا بالتوبة ويتوفر عليهم ثوابها وهذان النفعان لا يحصلان إلا بعد توبة الله عليهم .
المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن قبول التوبة غير واجب على الله عقلًا قالوا: لأن شرائط التوبة في حق هؤلاء قد حصلت من أول الأمر . ثم إنه E ما قبلهم ولم يلتفت إليهم وتركهم مدة خمسين يومًا أو أكثر ، ولو كان قبول التوبة واجبًا عقلًا لما جاز ذلك .
أجاب الجبائي عنه بأن قال: يقال إن تلك التوبة صارت مقبولة من أول الأمر ، لكنه يقال: أراد تشديد التكليف عليهم لئلا يتجرأ أحد على التخلف عن الرسول فيما يأمر به من جهاد وغيره . وأيضًا لم يكن نهيه E عن كلامهم عقوبة ، بل كان على سبيل التشديد في التكليف . قال القاضي: وإنما خص الرسول E هؤلاء الثلاثة بهذا التشديد ، لأنهم أذعنوا بالحق واعترفوا بالذنب ، فالذي يجري عليهم ، وهذه حالهم يكون في الزجر أبلغ مما يجري على من يظهر العذر من المنافقين .
والجواب: أنا متمسكون بظاهر قوله تعالى: { ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ } وكلمة { ثُمَّ } للتراخي ، فمقتضى هذا اللفظ تأخير قبول التوبة ، فإن حملتم ذلك على تأخير إظهار هذا القبول كان ذلك عدولًا عن الظاهر من غير دليل .
فإن قالوا: الموجب لهذا العدول قوله تعالى: { وَهُوَ الذى يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ } .
قلنا: صيغة يقبل للمستقبل ، وهو لا يفيد الفور أصلًا بالإجماع ، ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله: { إِنَّ الله هُوَ التواب الرحيم } .
واعلم أن ذكر الرحيم عقيب ذكر التواب ، يدل على أن قبول التوبة لأجل محض الرحمة والكرم ، لا لأجل الوجوب ، وذلك يقوي قولنا في أنه لا يجب عقلًا على الله قبول التوبة .