فهرس الكتاب

الصفحة 3705 من 8321

[ النازعات: 27 ، 28 ] فذكر أولًا أنه بناها ، ثم ذكر ثانيًا أنه رفع سمكها فسواها . وكذلك ههنا . ذكر بقوله: { خَلَقَ * السموات والأرض } أنه خلق ذواتها ثم ذكر بقوله: { ثُمَّ استوى عَلَى العرش } أنه قصد إلى تعريشها وتسطيحها وتشكيلها بالأشكال الموافقة لها .

والقول الثاني: وهو القول المشهور لجمهور المفسرين: أن المراد من العرش المذكور في هذه الآية: الجسم العظيم الذي في السماء ، وهؤلاء قالوا إن قوله تعالى: { ثُمَّ استوى عَلَى العرش } لا يمكن أن يكون معناه أنه تعالى خلق العرش بعد خلق السموات والأرضين بدليل أنه تعالى قال في آية أخرى { وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الماء } [ هود: 7 ] وذلك يدل على أن تكوين العرش سابق على تخليق السموات والأرضين . بل يجب تفسير هذه الآية بوجوه أخر . وهو أن يكون المراد: ثم يدبر الأمر وهو مستو على العرش .

والقول الثالث: أن المراد من العرش الملك ، يقال فلان ولي عرشه أي ملكه فقوله: { ثُمَّ استوى عَلَى العرش } المراد أنه تعالى لما خلق السموات والأرض واستدارت الأفلاك والكواكب ، وجعل بسبب دورانها الفصول الأربعة والأحوال المختلفة من المعادن والنبات والحيوانات ، ففي هذا الوقت قد حصل وجود هذه المخلوقات والكائنات . والحاصل أن العرش عبارة عن الملك ، وملك الله تعالى عبارة عن وجود مخلوقاته ، ووجود مخلوقاته إنما حصل بعد تخليق السموات والأرض ، لا جرم صح إدخال حرف { ثُمَّ } الذي يفيد التراخي على الاستواء على العرش والله أعلم بمراده .

المسألة الرابعة: أما قوله: { يُدَبّرُ الأمر } معناه أنه يقضي ويقدر على حسب مقتضى الحكمة ويفعل ما يفعله المصيب في أفعاله ، الناظر في أدبار الأمور وعواقبها ، كي لا يدخل في الوجود ما لا ينبغي . والمراد من { الأمر } الشأن يعني يدبر أحوال الخلق وأحوال ملكوت السموات والأرض .

فإن قيل: ما موقع هذه الجملة؟

قلنا: قد دل بكونه خالقًا للسموات والأرض في ستة أيام وبكونه مستويًا على العرش ، على نهاية العظمة وغاية الجلالة . ثم أتبعها بهذه الجملة ليدل على أنه لا يحدث في العالم العلوي ولا في العالم السفلي أمر من الأمور ولاحادث من الحوادث ، إلا بتقديره وتدبيره وقضائه وحكمه ، فيصير ذلك دليلًا على نهاية القدرة والحكمة والعلم والإحاطة التدبير ، وأنه سبحانه مبدع جميع الممكنات ، وإليه تنتهي الحاجات .

وأما قوله تعالى: { مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ } ففيه قولان:

القول الأول: وهو المشهور أن المراد منه أن تدبيره للأشياء وصنعه لها ، لا يكون بشفاعة شفيع وتدبير مدبر . ولا يستجرىء أحد أن يشفع إليه في شيء إلا بعد إذنه ، لأنه تعالى أعلم بموضع الحكمة والصواب ، فلا يجوز لهم أن يسألوه ما لا يعلمون أنه صواب وصلاح .

فإن قيل: كيف يليق ذكر الشفيع بصفة مبدئية الخلق ، وإنما يليق ذكره بأحوال القيامة؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت