فهرس الكتاب

الصفحة 3720 من 8321

{ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ } [ الأنعام: 93 ] وأما إن النفس كانت موجودة قبل البدن ، فلأن قوله تعالى في هذه الآية: { إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ } يدل على ما قلنا ، لأن الرجوع إلى الموضع إنما يحصل لو كان ذلك الشيء قد كان هناك قبل ذلك ، ونظيره قوله تعالى: { ياأيتها النفس المطمئنة ارجعى إلى رَبّكِ رَاضِيَةً } [ الفجر: 27 ، 28 ] وقوله: { ثُمَّ رُدُّواْ إلى الله مولاهم الحق } [ الأنعام: 62 ] .

البحث الثالث؛ المرجع بمعنى الرجوع و { جَمِيعًا } نصب على الحال أي ذلك الرجوع يحصل حال الاجتماع ، وهذا يدل على أنه ليس المراد من هذا المرجع الموت ، وإنما المراد منه القيامة .

البحث الرابع: قوله تعالى: { إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ } يفيد الحصر ، وأنه لا رجوع إلا إلى الله تعالى ، ولا حكم إلا حكمه ولا نافذ إلا أمره ، وأما قوله: { وَعْدَ الله حَقّا } ففيه مسألتان:

المسألة الأولى: قوله: { وَعَدَ الله } منصوب على معنى: وعدكم الله وعدًا ، لأن قوله: { إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ } معناه: الوعد بالرجوع ، فعلى هذا التقدير يكون قوله: { وَعَدَ الله } مصدرًا مؤكدًا لقوله: { إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ } وقوله: { حَقًّا } مصدرًا مؤكدًا لقوله: { وَعَدَ الله } فهذه التأكيدات قد اجتمعت في هذا الحكم .

المسألة الثانية: قرىء { وَعَدَ الله } على لفظ الفعل . واعلم أنه تعالى لما أخبر عن وقوع الحشر والنشر ، ذكر بعده ما يدل على كونه في نفسه ممكن الوجود . ثم ذكر بعده ما يدل على وقوعه . أما ما يدل على إمكانه في نفسه فهو قوله سبحانه: { إِنَّهُ يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: تقرير هذا الدليل أنه تعالى بين بالدليل كونه خالقًا للأفلاك والأرضين ، ويدخل فيه أيضًا كونه خالقًا لكل ما في هذا العالم من الجمادات والمعادن والنبات والحيوان والإنسان ، وقد ثبت في العقل أن كل من كان قادرًا على شيء ، وكانت قدرته باقية ممتنعة الزوال ، وكان عالمًا بجميع المعلومات فإنه يمكنه إعادته بعينه ، فدل هذا الدليل على أنه تعالى قادر على إعادة الإنسان بعد موته .

المسألة الثانية: اتفق المسلمون على أنه تعالى قادر على إعدام أجسام العالم ، واختلفوا في أنه تعالى هل يعدمها أم لا؟ فقال قوم إنه تعالى يعدمها ، واحتجوا بهذه الآية وذلك لأنه تعالى حكم على جميع المخلوقات بأنه يعيدها ، فوجب أن يعيد الأجسام أيضًا ، وإعادتها لا تمكن إلا بعد إعدامها ، وإلا لزم إيجاد الموجود وهو محال . ونظيره قوله تعالى: { يَوْمَ نَطْوِى السماء كَطَىّ السجل لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ } [ الأنبياء: 104 ] فحكم بأن الإعادة تكون مثل الابتداء ، ثم ثبت بالدليل أنه تعالى إنما يخلقها في الابتداء من العدم ، فوجب أن يقال إنه تعالى يعيدها أيضًا من العدم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت