فهرس الكتاب

الصفحة 3811 من 8321

المسألة الثانية: قرأ الكسائي { وَمَا يَعْزُبُ } بكسر الزاي ، والباقون بالضم ، وفيه لغتان: عزب يعزب ، وعزب يعزب .

المسألة الثالثة: قوله: { مِن مّثْقَالِ ذَرَّةٍ } أي وزن ذرة ، ومثقال الشيء ما يساويه في الثقل ، والمعنى: ما يساوي ذرة والذر صغار النمل واحدها ذرة ، وهي تكون خفيفة الوزن جدًا ، وقوله: { فِي الارض وَلاَ فِى السماء } فالمعنى ظاهر .

فإن قيل: لم قدم الله ذكر الأرض ههنا على ذكر السماء مع أنه تعالى قال في سورة سبأ: { عالم الغيب لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِى السموات وَلاَ فِى الارض } [ سبأ: 3 ] .

قلنا: حق السماء أن تقدم على الأرض إلا أنه تعالى لما ذكر في هذه الآية شهادته على أحوال أهل الأرض وأعمالهم ، ثم وصل ذلك قوله لا يعزب عنه ، ناسب أن تقدم الأرض على السماء في هذا الموضع .

ثم قال: { وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذلك وَلا أَكْبَرَ } وفيه قراءتان قرأ حمزة { وَلاَ أَصْغَرَ وَلا أَكْبَرَ } بالرفع فيهما ، والباقون بالنصب .

واعلم أن قوله: { وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبّكَ مِن مّثْقَالِ ذَرَّةٍ } تقديره وما يعزب عن ربك مثقال ذرة فلفظ { مِثْقَالَ } عند دخول كلمة { مِنْ } عليه مجرور بحسب الظاهر ، ولكنه مرفوع في المعنى ، فالمعطوف عليه إن عطف على الظاهر كان مجرورًا إلا أن لفظ أصغر وأكبر غير منصرف ، فكان مفتوحًا / وإن عطف على المحل ، وجب كونه مرفوعًا ، ونظيره قوله ما أتاني من أحد عاقل وعاقل ، وكذا قوله: { مَالَكُمْ مّنْ إله غَيْرُهُ } [ الأعراف: 59 ] وغيره وقال الشاعر:

فلسنا بالجبال ولا الحديدا ... هذا ما ذكره النحويون ، قال صاحب «الكشاف» : لو صح هذا العطف لصار تقدير هذه الآية وما يعزب عنه شيء في الأرض ولا في السماء إلا في كتاب: وحينئذ يلزم أن يكون الشيء الذي في الكتاب خارجًا عن علم الله تعالى وأنه باطل .

وأجاب بعض المحققين عنه بوجهين:

الوجه الأول: أنا بينا أن العزوب عبارة عن مطلق البعد .

وإذا ثبت هذا فنقول: الأشياء المخلوقة على قسمين: قسم أوجده الله تعالى ابتداء من غير واسطة كالملائكة والسموات والأرض ، وقسم آخر أوجده الله بواسطة القسم الأول ، مثل: الحوادث الحادثة في عالم الكون والفساد ، ولا شك أن هذا القسم الثاني قد يتباعد في سلسلة العلية والمعلولية عن مرتبة وجود واجب الوجود فقوله: { وَمَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِى الأرض وَلاَ فِى السماء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذلك وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِى كِتَابٍ مُّبِينٍ } أي لا يبعد عن مرتبة وجوده مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء إلا وهو في كتاب مبين وهو كتاب كتبه الله تعالى وأثبت صور تلك المعلومات فيه ، ومتى كان الأمر كذلك فقد كان عالمًا بها محيطًا بأحوالها ، والغرض منه الرد على من يقول: إنه تعالى غير عالم بالجزئيات ، وهو المراد من قوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت