{ فَأْتُواْ بكتاب مّنْ عِندِ الله هُوَ أهدى } [ القصص: 49 ] . وثانيها: قوله: { قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرءان لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا } [ الإسراء: 88 ] . وثالثها: قوله: { فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ } [ هود: 13 ] ورابعها: قوله: { فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ } ونظير هذا كمن يتحدى صاحبه بتصنيفه فيقول ائتني بمثله ، ائتني بنصفه ، ائتني بربعه ، ائتني بمسألة منه ، فإن هذا هو النهاية في التحدي وإزالة العذر فإن قيل قوله: { فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ } يتناول سورة الكوثر ، وسورة العصر وسورة قل يا أيها الكافرون ، ونحن نعلم بالضرورة أن الإتيان بمثله أو بما يقرب منه ممكن فإن قلتم إن الإتيان بأمثال هذه السور خارج عن مقدور البشر كان ذلك مكابرة والإقدام على أمثال هذه المكابرات مما يطرق التهمة إلى الدين ، قلنا فلهذا السبب اخترنا الطريق الثاني ، وقلنا إن بلغت هذه السورة في الفصاحة إلى حد الإعجاز فقد حصل المقصود ، وإن لم يكن الأمر كذلك كان امتناعهم عن المعارضة مع شدة دواعيهم إلى توهين أمره معجزًا . فعلى هذين التقديرين يحصل المعجز .
المسألة السادسة: الضمير في قوله: { مّن مّثْلِهِ } إلى ماذا يعود وفيه وجهان: أحدهما: أنه عائد إلى «ما» في قوله: { مّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا } أي فأتوا بسورة مما هو على صفته في الفصاحة وحسن النظم والثاني: أنه عائد إلى «عبدنا» أي فأتوا ممن هو على حاله من كونه بشرًا أميًا لم يقرأ الكتب ولم يأخذ من العلماء ، والأول مروي عن عمر وابن مسعود وابن عباس والحسن وأكثر المحققين ، ويدل على الترجيح له وجوه: أحدها: أن ذلك مطابق لسائر الآيات الواردة في باب التحدي لا سيما ما ذكره في يونس { فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّثْلِهِ } [ يونس: 38 ] وثانيها: أن البحث إنما وقع في المنزل لأنه قال: { وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مّمَّا نَزَّلْنَا } فوجب صرف الضمير إليه ، ألا ترى أن المعنى وإن ارتبتم في أن القرآن منزل من عند الله فهاتوا شيئًا مما يماثله وقضية الترتيب لو كان الضمير مردودًا إلى رسول الله A أن يقال: وإن ارتبتم في أن محمد منزل عليه فهاتوا قرآنًا من مثله . وثالثها: أن الضمير لو كان عائدًا إلى القرآن لاقتضى كونهم عاجزين عن الإتيان بمثله سواء اجتمعوا أو انفردوا وسواء كانوا أميين أو كانوا عالمين محصلين ، أما لو كان عائدًا إلى محمد A فذلك لا يقتضي إلا كون أحدهم من الأميين عاجزين عنه لأنه لا يكون مثل محمد إلا الشخص الواحد الأمي فأما لو اجتمعوا وكانوا قارئين لم يكونوا مثل محمد ، لأن الجماعة لا تماثل الواحد ، والقارىء لا يكون مثل الأمي ، ولا شك أن الإعجاز على الوجه الأول أقوى . ورابعها: أنا لو صرفنا الضمير إلى القرآن فكونه معجزًا إنما يحصل لكمال حاله في الفصاحة أما لو صرفناه إلى محمد A ، فكونه معجزًا إنما يكمل بتقرير كمال حاله في كونه أميًا بعيدًا عن العلم . وهذا وإن كان معجزًا أيضًا إلا أنه لما كان لا يتم إلا بتقرير نوع من النقصان في حق محمد عليه السلام كان الأول أولى . وخامسها: أنا لو صرفنا الضمير إلى محمد عليه السلام لكان ذلك يوهم أن صدور مثله القرآن ممن لم يكن مثل محمد في كونه أميًا ممكن . ولو صرفناه إلى القرآن لدل ذلك على أن صدور مثل من الأمي وغير الأمي ممتنع فكان هذا أولى .