الوجه الثاني: في الفرق بين الزفير والشهيق . قال بعضهم: الزفير بمنزلة ابتداء صوت الحمار بالنهيق . وأما الشهيق فهو بمنزلة آخر صوت الحمار .
الوجه الثالث: قال الحسن: قد ذكرنا أن الزفير عبارة عن الارتفاع . فنقول: الزفير لهيب جهنم يرفعهم بقوته حتى إذا وصلوا إلى أعلى درجات جهنم وطمعوا في أن يخرجوا منها ضربتهم الملائكة بمقامع من حديد ويردونهم إلى الدرك الأسفل من جهنم ، وذلك قوله تعالى: { كُلَّمَا أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَا أُعِيدُواْ فِيهَا } فارتفاعهم في النار هو الزفير وانحطاطهم مرة أخرى هو الشهيق .
الوجه الرابع: قال أبو مسلم: الزفير: ما يجتمع في الصدر من النفس عند البكاء الشديد فينقطع النفس ، والشهيق: هوا الذي يظهر عند اشتداد الكربة والحزن ، وربما تبعهما الغشية ، وربما حصل عقيبه الموت .
الوجه الخامس: قال أبو العالية: الزفير في الحلق والشهيق في الصدر .
الوجه السادس: قال قوم: الزفير الصوت الشديد ، والشهيق الصوت الضعيف .
الوجه السابع: قال ابن عباس Bهما: { لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ } يريد ندامة ونفسًا عالية وبكاء لا ينقطع وحزنًا لا يندفع .
الوجه الثامن: الزفير مشعر بالقوة ، والشهيق بالضعف على ما قررناه بحسب اللغة .
إذا عرفت هذا فنقول: لم يبعد أن يكون المراد من الزفير قوة ميلهم إلى عالم الدنيا وإلى اللذات الجسدانية ، والمراد من الشهيق ضعفهم عن الاستسعاد بعالم الروحانيات والاستكمال بالأنوار الإلهية والمعارج القدسية .
ثم قال تعالى: { خالدين فِيهَا مَا دَامَتِ السموات والأرض إِلا ما شاء رَبَّكَ } وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: قال قوم إن عذاب الكفار منقطع ولها نهاية ، واحتجوا بالقرآن والمعقول . أما القرآن فآيات منها هذه الآية والاستدلال بها من وجهين: الأول: أنه تعالى قال: { مَا دَامَتِ السموات والأرض } دل هذا النص على أن مدة عقابهم مساوية لمدة بقاء السموات والأرض ، ثم توافقنا على أن مدة بقاء السموات والأرض متناهية فلزم أن تكون مدة عقاب الكفار منقطعة . الثاني: أن قوله: { إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ } استثناء من مدة عقابهم وذلك يدل على زوال ذلك العذاب في وقت هذا الاستثناء ومما تمسكوا به أيضًا قوله تعالى في سورة عم يتساءلون: